الرواية الأولى / مجدي عبدالعزيز

عودة الي بيان مجلس السلم والأمن الأفريقي – تحوّل نوعي في مقاربة الاتحاد لأزمة السودان

مجدي عبدالعزيز

▪️ البيان الصادر عن مجلس السلم والأمن الأفريقي في اجتماعه الوزاري رقم (1330) بتاريخ 12 فبراير 2026، بشأن الأوضاع في السودان، بكل المقاييس وزوايا النظر يمثل نقطة تحوّل حقيقية في مقاربة الاتحاد الأفريقي للأزمة السودانية، ويجسد تغيراً واضحاً في زاوية النظر إلى طبيعة الصراع، ومسبباته، وأطرافه، ومآلاته.

▪️اللغة التي اعتمدها المجلس هذه المرة أكثر وضوحاً، وأكثر تماسكاً مع مقتضيات سيادة الدولة السودانية ووحدة أراضيها، وأقرب إلى توصيف دقيق لحقيقة ما يجري: تمرد مليشيا مسلحة مارست انتهاكات جسيمة بحق المدنيين، وحاولت فرض ترتيبات موازية خارج الإطار الدستوري والسيادي للدولة.

▪️بوضوح غير مسبوق أدان البيان “الانتهاكات التي ارتكبتها مليشا الدعم السريع في الفاشر، بما في ذلك القتل المنهجي، والتهجير الجماعي، والاستهداف العرقي، وتدمير البنية التحتية”، مع التشديد على المساءلة عن الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان .
بما يعتبر تثبيت رسمي من أعلى هيئة أمنية في الاتحاد الأفريقي لطبيعة الجرائم المرتكبة، وهو ما يعزز الموقف القانوني والأخلاقي للدولة السودانية في مواجهة التمرد، ويفتح الباب أمام مسارات مساءلة إقليمية ودولية.

▪️أكد المجلس رفضه التام لما سُمّي بالحكومة الموازية” التي أعلنتها المليشيا، ودعا جميع الدول الأعضاء والشركاء إلى عدم الاعتراف بها، مع إعادة التأكيد على دعم سيادة السودان وسلامة أراضيه ضمن حدوده المعترف بها دولياً .
وهذا الموقف يحبط عملياً أي محاولة لشرعنة الانقسام أو فرض أمر واقع سياسي بالقوة، ويغلق الباب أمام رهانات كانت تراهن على إضفاء غطاء إقليمي على مشروع التفكيك.

▪️في فقرة شديدة الأهمية، أدان المجلس التدخلات الخارجية في الشأن السوداني، وطلب من لجنة العقوبات التابعة له التعجيل بتحديد الجهات الخارجية التي تقدم دعماً عسكرياً أو مالياً أو سياسياً لأطراف النزاع، ورفع مقترحات لاحتواء ذلك خلال مدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر .
وهذه الفقرة تمثل تطوراً نوعياً؛ فهي لا تكتفي بالتنديد، بل تضع إطاراً مؤسسياً للتحقيق والتوصية بإجراءات.
وفي السياق الإقليمي، لم يعد خافياً أن كثيراً من العواصم العربية والأفريقية – وفي مقدمتها القاهرة والرياض – باتت تنظر بقلق بالغ إلى مسارات زعزعة الاستقرار في السودان، بعد أن تكشفت طبيعة المشروع الذي يقف خلف المليشيا، وحقيقة كونه حرب وكالة تخدم أجندات خارجية، وفي مقدمتها سلطة أبوظبي.

▪️رحّب المجلس بالتقدم المحرز عبر “خارطة الطريق السودانية للسلام” التي قدمها رئيس الوزراء د. كامل ادريس في 22 ديسمبر 2025، والتي تتضمن وقفاً فورياً وشاملاً لإطلاق النار، وحماية المدنيين، وإتاحة الوصول الإنساني، ونزع السلاح، وإصلاح القطاع الأمني، والمصالحة الوطنية، وإعادة الإعمار .
كذلك هذا الترحيب يمثل اعترافاً إقليمياً بأن الدولة السودانية لا تخوض حرباً بلا أفق، بل تطرح رؤية سياسية متكاملة تستند إلى وقف الحرب وإعادة بناء الثقة وترميم النسيج الوطني. وهو ما يعزز موقع الخرطوم التفاوضي، ويؤكد أن مبادرة الحكومة باتت إطاراً معترفاً به أفريقياً.

▪️وفي إشارة ذات دلالة سياسية ورمزية كبيرة، رحّب البيان بعودة الحكومة الانتقالية إلى العاصمة القومية، واعتبر ذلك خطوة مهمة نحو استعادة الخدمات العامة وعمل مؤسسات الدولة الاتحادية ،، ويعني هذا عملياً أن الاتحاد الأفريقي يتعامل مع الحكومة القائمة باعتبارها السلطة الشرعية التي تمارس وظائف الدولة من عاصمتها، وهو ما يقوض سردية التمرد التي حاولت تصوير المشهد باعتباره صراع سلطتين متكافئتين.

▪️شدد المجلس على الحاجة العاجلة لإعادة فتح مكتب الاتحاد الأفريقي في السودان، ورحّب بخطوات المفوضية لبدء مهمة تقييم تمهيداً لذلك ،، ويعتبر هذا مؤشر إضافي على تحسن البيئة السياسية لصالح الدولة، واستعداد الاتحاد للانخراط ميدانياً من الخرطوم، لا من خارجها.

▪️والسؤال لماذ تغيّر الموقف الأفريقي الآن؟

يمكن قراءة هذا التحول في ضوء عدة عوامل:
1. انكشاف الطبيعة الإجرامية للمليشيا عبر التقارير الميدانية والانتهاكات الموثقة في دارفور وغيرها.
2. تبدل المزاج الإقليمي بعد أن اتضح أن استمرار الفوضى في السودان يهدد الأمن القومي لدول الجوار والبحر الأحمر.
3. تصاعد الوعي الأفريقي بخطورة سابقة “الحكومات الموازية” على بنية الدولة الوطنية في القارة.
4. التحولات الدولية الأوسع التي أعادت الاعتبار لمبدأ سيادة الدول ورفض مشاريع التفكيك بالوكالة.

▪️▪️اخيرا -اعتقادي ان هذا البيان فرصة استراتيجية للانفتاح علي هذه المناحي :

•تكثيف التحرك القانوني بشأن الانتهاكات.
•توسيع التحالفات الإقليمية الداعمة لوحدة السودان.
•ترجمة مبادرة السلام وخارطة الطريق إلى خطوات عملية تعزز الثقة داخلياً وخارجياً.

  • وفرصة لتثبيت سردية الدولة في مواجهة سردية التمرد.
    لقد بات واضحاً أن الكفة داخل الاتحاد الأفريقي تميل اليوم بوضوح غير مسبوق إلى جانب الدولة السودانية وسيادتها ووحدتها. والتحدي الآن ليس فقط في تثبيت هذا التحول، بل في البناء عليه، حتى يتحول من موقف سياسي داعم إلى مظلة إقليمية كاملة لإعادة بناء السودان دولةً موحدة، آمنة، ومنتصرة سيدة على قرارها.
    والتاريخ، كما نعلم، لا يمنح الفرص مرتين.

،، والي الملتقي ..

اترك رد

error: Content is protected !!