
يستقبل السودان وشعبه، كل عامٍ جديد مترافقًا مع ذكرى استقلاله، في تزامنٍ نادر يجعل من الانتقال الزمني مناسبةً وطنية مضاعفة، تختلط فيها مشاعر الأمل بواجب المراجعة، وتلتقي فيها تهاني العام الجديد بأسئلة الدولة والمصير. ففي الوعي السوداني، لا ينفصل الزمن والتأريخ عن الوطن، ولا تُقرأ بدايات الأعوام بمعزل عن معنى الاستقلال ومسؤوليته.
وعلى امتداد سبعين عامًا من عمر الدولة الوطنية، ظلّ هذا التلازم حاضرًا، يُذكّر بأن الاستقلال ليس حدثًا مؤرَّخًا في سجل الماضي، بل فعلًا متجددًا يُختبر في كل عام، وفي كل أزمة، وفي كل قرار سيادي. ومن هنا، فإن استحضار ذكرى الاستقلال لا يكون بالاحتفاء وحده، بل بمساءلة التجربة، وتقييم المسار، وتجديد العهد مع فكرة الدولة التي وُلدت لتكون وطنًا حرًا كريمًا لمواطنيها.
سبعون عامًا منذ تأريخ استقلال السودان قد مرّت، ولم يزل سؤال الدولة حاضرًا، وسؤال العدالة مؤجلًا، وسؤال الكرامة يُجابَه بالحرب لا بالسلام. ومع ذلك، يبقى السودان وطن الاحتمالات الكبيرة، والفرص المؤجلة التي لم تُهدر بعد، ما دامت في هذه الأرض إرادة، وفي هذا الشعب صبر، وفي هذا المجتمع قيادة يمكن أن تصنع الفارق إن أحسنت القراءة واتخذت القرار.
ومن هذا المعنى المركّب والتقاطع الفريد، بين عامٍ يولد، وذكرى وطنية تتجدد، بين عامٍ يُفتح على احتمالاته، وذكرى استقلال تستدعي الوعي لا الاكتفاء بالرمز، تأتي هذه الرسائل؛ لا بوصفها تهنئة موسمية، بل بوصفها بريد الوطن إلى نفسه.
إلى الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان
رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة:
لقد شاءت أقدار الله _ التي تؤتي الملك من تشاء وتنزعه مِمّن تشاء _ لا حسابات البشر وحدها، أن تضعك في موقع القيادة في واحدة من أعقد وأخطر لحظات الدولة السودانية الحديثة. قيادة جاءت في زمن الانكسارات، فتسلّمت دولة مثقلة بالتحديات، ومحاصَرة بالمؤامرات، ومخترَقة في عمقها ومتكلسة المفاصل.
تحمّلك للمسؤولية لم يكن شرفًا رمزيًا، بل عبئًا تاريخيًا. وقيادتك للمعركة لم تكن خيارًا سهلاً، بل استجابة لضرورة وجودية ما بين بقاء الدولة أو سقوطها.
وإن هذه الضرورة الوجودية لا تكتمل إلا بحسمٍ واضح لا لبس فيه؛ حسمٍ يُنهي الحرب ولا يديرها، ويهزم المليشيا لا يساومها، ويعيد احتكار الدولة للسلاح والقرار معًا. فالتردد في لحظات الحسم كلفة، وإطالة الحرب استنزاف، وأي نصرٍ غير مكتمل يظل قابلًا للارتداد.
إن الفرصة ما تزال قائمة – بل نادرة – لأن يُكتب اسمك في سجل القادة الخالدين، لا فقط في تاريخ السودان، بل في تاريخ الإقليم، قائدًا عسكريًا ورجل دولة انتصر حين كانت الهزيمة محيطة وقريبة، وثبت حين كان التراجع مغريًا، ولم ينكسر حين راهن كثيرون على الانكسار.
غير أن عظمة اللحظة وخطرها، تفرض ما هو أكثر من الصمود العسكري:
فتحسين الممارسة لا يقل أهمية عن الانتصار في الميدان.
ومحاربة الفساد ليست شعارًا، بل شرطًا للنصر المستدام.
وتفعيل المحاسبة ضرورة أخلاقية وسيادية، لا ترفًا إداريًا.
كما أن الشورى والاستشارة ليست ضعفًا، بل علامة وعي بالقوة وحدودها.
إن الإبقاء على مسؤولين متقاعدين ذهنيًا، أو مستهلكين إداريًا، في مواقع القرار، يُضعف الدولة حتى لو انتصر الجيش. المرحلة تحتاج إلى عقول حية، وخبرات مؤهلة، ومستشارين يدركون طبيعة الحرب المركبة التي تخوضها البلاد.
فالمعركة طويلة، والتآمر كبير، والرهانات لا تتوقف عند حدود الداخل. والانتصار الحقيقي هو أن تنتهي الحرب بدولة أقوى، لا فقط بخصمٍ مهزوم.
اللي الدكتور كامل ادريس
رئيس مجلس الوزراء
لقد أتت بك دولة الله في ايامه بين الناس إلى رئاسة الحكومة في مرحلة لا تحتمل التجريب، ولا تسمح بخطاب العلاقات العامة. إنها مرحلة إنقاذ إدارة الدولة، لا تجميلها، مرحلة الرجل الأمين القوي، لا الضعيف المتردد. إن وصايا هذه اللحظة لك ولحكومتك يمكن تلخيصها في الآتي:
المواطن أولًا، لا كشعار بل كميزان قرار.
الاقتصاد ليس أرقامًا في التقارير، بل معيشة يومية للناس.
الأمن ليس بندًا عسكريًا فقط، بل إحساس عام بالاستقرار والثقة.
السلام لا يُصنع بالاتفاقيات وحدها، بل بإنصاف المظالم وإعادة الاعتبار للدولة العادلة.
أما العلاقات الخارجية، فالسودان لا يحتاج إلى انحناء، بل إلى شراكات متوازنة، واقتصاد منتج، وخطاب سيادي واضح. العالم يحترم من يعرف ماذا يريد، لا من ينتظر الإملاءات أو من يدمن وصفات العلاج.
حكومتك مطالبة بأن تكون حكومة فعل و إقدام، لا حكومة رد فعل وانتظار، حكومة قرار لا تردد، وخدمة لا تبرير.
إلى السادة الوزراء والمسؤولين الحكوميين:
إن المنصب في هذه المرحلة ليس وجاهة، بل تكليف ثقيل. كل وزارة هي خط دفاع عن الدولة، وكل تقصير فيها ثغرة.
النزاهة ليست خيارًا شخصيًا، بل واجبًا وطنيًا.
الكفاءة ليست ترفًا، بل شرط بقاء.
الشفافية ليست مخاطرة، بل حماية للمؤسسة ولصاحب القرار.
ليست هناك مساحة للبيروقراطية الباردة، ولا للأجندات الضيقة، ولا لحسابات الذات. الدولة في حالة اختبار، والتاريخ لا يرحم من خذل لحظته.
إلى المواطن السوداني:
أنت لست متفرجًا على المشهد، بل جزء أصيل من معادلة الصمود والبناء.
دعمك للمؤسسات الوطنية، وعلى رأسها القوات المسلحة، ليس اصطفافًا أعمى، بل حماية للدولة من السقوط.
وعيك، وصبرك، ورفضك للشائعات، جزء من معركة الوعي التي لا تقل خطورة عن معركة السلاح.
مسؤوليتك تبدأ من احترام القانون وتقديس حقوق الآخرين وإيثارك للوطن و الجماعة على نفسك وجعل ذلك فوق حظ النفس، ولا تنتهي المسؤولية بالمشاركة في إعادة بناء ما دمرته الحرب.
الوطن لا يُنقَذ بالبطولة الفردية وحدها، بل بتكامل القيادة والشعب والمؤسسات.
في الذكرى السبعين للاستقلال، لا نبحث عن ماضٍ نتغنّى به، بل عن مستقبل نستحقه. وفي مطلع عام جديد، لا نطلب معجزات، بل إرادة صادقة، وقرارًا شجاعًا، وممارسة نظيفة.
هذا بريد الوطن…
يُرسل بلا وسطاء،
ويُوقَّع باسم السودان.
والسودان – رغم كل شيء – ما يزال يستحق أن نحلم به، وأن نقاتل من أجله، وأن نحسن قيادته.
الجمعة 2 يناير 2026م



