الرواية الأولى

نروي لتعرف

آفاق رقمية / د. محمد عبدالرحيم يسن

رحلات في ذاكرة التقنية

جنيف… التقنية من أجل التنمية

د. محمد عبدالرحيم يسن




(٤)

في مطلع الألفية الجديدة أدرك العالم أن الإنترنت وتقنيات المعلومات والاتصالات أصبحت عنصرا مؤثرا في الاقتصاد والتعليم والصحة والخدمات الحكومية والتنمية البشرية. ومن هذا الإدراك انطلقت القمة العالمية لمجتمع المعلومات (WSIS) برعاية الأمم المتحدة، فعقدت مرحلتها الأولى في جنيف عام ٢٠٠٣م، ثم المرحلة الثانية في تونس عام ٢٠٠٥م، بهدف بناء مجتمع معلومات عالمي أكثر شمولا ، وتمكين الدول من توظيف التقنية لخدمة التنمية وتحسين حياة الناس.
وضعت القمة منذ انطلاقتها مجموعة من المبادئ والأهداف التي تدعو إلى تقليص الفجوة الرقمية بين الدول، وتوسيع فرص الوصول إلى المعرفة، وتعزيز استخدام تقنية المعلومات والاتصالات في التعليم والصحة والاقتصاد والخدمات العامة، بناءا على هذه المجالات اجازات قمة ٢٠٠٥م، أهداف التنمية المستدامة ٢٠٣٠م. ومع مرور السنوات تحولت القمة إلى منصة دولية تجمع الحكومات والمنظمات الدولية والجامعات ومراكز البحوث والقطاع الخاص لمراجعة ما تحقق وتبادل التجارب والخبرات.
في عام ٢٠١٥م، كانت الوجهة إلى مدينة جنيف السويسرية للمشاركة في أعمال القمة العالمية لمجتمع المعلومات. جنيف من المدن التي تجمع العالم في مكان واحد، وتحتضن مقرات العديد من المؤسسات الدولية التي تعمل في مجالات التنمية والاتصالات والتجارة وحقوق الإنسان، والملكية الفكرية..
القمة قدمت صورة مختلفة عن كثير من المؤتمرات التقنية، محور النقاش لم يرتبط بأحدث الأجهزة أو التطبيقات أو المنتجات الجديدة، إنما بكيفية توظيف التقنية لخدمة الإنسان وتحسين جودة الحياة.
خلال السنوات الأولى لانتشار الإنترنت انشغل العالم ببناء البنية التحتية الرقمية وتوسيع شبكات الاتصالات، أما في جنيف فقد ظهر سؤال أكثر عمقا: كيف يمكن للتقنية أن تسهم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة؟
لهذا ارتبطت القمة بصورة وثيقة بأهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، وأصبحت منصة تستعرض التجارب الناجحة من مختلف دول العالم في استخدام التقنية لمعالجة التحديات وتحسين الخدمات العامة ورفع كفاءة المؤسسات.
وفود الدول والمنظمات عرضت مبادرات متنوعة في مجالات التعليم الإلكتروني والصحة الرقمية والحكومة الإلكترونية وبناء القدرات الرقمية، ومحاربة الفقر، بعض التجارب جاءت من دول متقدمة، وأخرى من دول نامية نجحت في تحقيق نتائج ملموسة عبر توظيف التقنية بصورة فعالة.
كما أظهرت التجارب المعروضة أن التحول الرقمي مشروع وطني تشارك فيه الحكومات والجامعات ومراكز البحوث والقطاع الخاص والمجتمع المدني، وأن النجاح يرتبط بقدرة هذه الأطراف على العمل ضمن رؤية مشتركة وأهداف واضحة.
جنيف قدمت صورة لعالم يتعامل مع التقنية باعتبارها وسيلة لتحقيق التنمية، وقيمة التقنية تظهر عندما تساعد طالبا في الوصول إلى المعرفة، أو مريضا في الحصول على خدمة صحية أفضل، أو مؤسسة في تقديم خدمة أكثر كفاءة، أو حكومة في اتخاذ قرار يستند إلى البيانات.
لهذا ظلت القمة العالمية لمجتمع المعلومات واحدة من المحطات المهمة في مسيرة التحول الرقمي العالمية، لأنها ربطت بين التقنية والتنمية، وبين الابتكار وتحسين حياة الإنسان.
كان للسودان مشاركات فاعلة منذ بداية إطلاق القمة ، واستفادت من مخرجاتها ، في كثير من المشاريع ووقعت شراكات مع دول ومؤسسات فاعلة ، اليوم ونحن نعيد بناء ما تم تدميره جراء الحرب الظالمة ما أحوجنا في الاستفادة من مخرجات المشاركات السابقة…
في الحلقة القادمة ننتقل إلى مدينة أخرى حملت تجربة مختلفة، وأضافت بعدا جديدا إلى رحلات في ذاكرة التقنية.

٦ يونيو ٢٠٢٦م

اترك رد

error: Content is protected !!