الرواية الأولى

نروي لتعرف

آفاق رقمية / د. محمد عبدالرحيم يسن

رحلات في ذاكرة التقنية

كوالالمبور… من الرؤية إلى التنفيذ

د. محمد عبدالرحيم يسن




(٢)

في أوائل الألفية حملتني رحلة إلى مدينة مختلفة في شكلها وروحها وطموحها. كوالالمبور عاصمة ماليزيا مدينة تتجه بخطوات سريعة نحو المستقبل، تجمع بين الهوية المحلية والانفتاح العالمي بصورة تنمح الزائر إحساسا بأن مشروعا كبيرا يتحرك على أرض الواقع.
في تلك السنوات ارتفعت أبراج التوأم في قلب المدينة كواحدة من أبرز المعالم المعمارية في آسيا ورمزا لطموح وطني واسع. النظر إلى الأبراج وحدها لم يكن كافيا لإستيعاب ما يحدث، فالصورة الأهم تشكلت داخل مشروع فكري وإداري اتجه نحو بناء اقتصاد جديد يقوم على المعرفة والتقنية.
الرحلة قادتني إلى سايبرجايا وبوتراجايا المدن الرقمية الجديدة، وجايا بلغة الملايو تعني النجاح او الازدهار، وهناك ظهرت صورة أكثر عمقا. طرق واسعة، وتخطيط منظم، وبنية تحتية جرى إعدادها لاستقبال اقتصاد رقمي جديد. سايبرجايا احتضنت عددا من الشركات العالمية الكبرى مثل مايكروسوفت وأوراكل ونوفيل، وسيسكو وغيرها من الشركات التقنية، وتحولت إلى مركز يجمع المعرفة والاستثمار والتقنية في مساحة واحدة.
في تلك الفترة أطلقت ماليزيا رؤيتها ٢٠٢٠، وبدأت خطوات عملية لبناء مجتمع معرفي واقتصاد رقمي يعتمد على الإنسان والتقنية.
الرحلة الأولى فتحت بابا لرحلات أخرى، وعدت إلى ماليزيا مرات خلال سنوات لاحقة، ومع كل زيارة ظهرت ملامح جديدة للتطور. أتيحت لي فرصة مشاهدة نهضة رقمية تتحرك بصورة متدرجة حتى أصبحت ماليزيا من أبرز التجارب في المنطقة.
من أكثر التجارب التي جذبت انتباهي مشروع البطاقة الذكية الوطنية الماليزية، أي مبادرة MyKad الذي جمع عددا من الخدمات داخل بطاقة واحدة. احتوت البطاقة على الهوية الرقمية ورخصة القيادة والبطاقة الصحية والخدمات البنكية وخدمات أخرى ضمن منظومة موحدة هدفت إلى تقليل تكلفة الأنظمة المنفصلة وربط الخدمات الحكومية في بيئة أكثر تكاملا وسهولة. الفكرة تجاوزت إنتاج بطاقة تحمل بيانات شخصية، فقد اتجهت نحو بناء منصة خدمات متكاملة تدور حول المواطن.
تجربة البطاقة الذكية قادتني إلى مساحة أخرى من الاهتمام والاستكشاف. حرصت على زيارة مواقع الإنتاج والتعرف بصورة أقرب على مراحل تصنيع البطاقات والأدوات والتقنيات المستخدمة في إنتاجها. هذه التجربة فتحت أمامي عالما جديدا وتحولت لاحقا إلى مصدر إلهام لاتخاذ خطوة عملية داخل بيت البرامج عبر إنشاء قسم متخصص لإنتاج البطاقات. ومع مرور الوقت أصبح هذا القسم من أوائل الجهات التي عملت على إنتاج البطاقات الممغنطة والذكية لاحقا وربطها بأنظمة المؤسسات، النظام وفر إمكانات أوسع في إدارة البيانات والهوية وربط الخدمات داخل بيئة عمل متكاملة.
كما لفت انتباهي في ماليزيا كذلك التوسع المبكر في الخدمات الحكومية الرقمية، فقد اتجهت الحكومة إلى بناء منصات للعطاءات الحكومية والنافذة الموحدة، والخدمات الإلكترونية في وقت ما زالت فيه كثير من الدول تنظر إلى هذه الأفكار باعتبارها مشروعات مستقبلية. وحققت ماليزيا الهدف الرئيس من المشروعات بتقليل الإجراءات الورقية وربط الجهات المختلفة داخل منظومة أكثر كفاءة.
ومن أجمل ما خرجت به من هذه التجربة رؤية ذلك التكامل بين مؤسسات الدولة. الوزارات والجامعات ومراكز البحوث تحركت ضمن منظومة مترابطة تتبادل المعرفة والخبرات وتسير في اتجاه واحد ، شعرت وقتها أن التحول الرقمي يبدأ من الرؤية المشتركة قبل أن يبدأ من الأجهزة والشبكات.
ومع مرور السنوات اتضحت أمامي صورة أكثر اكتمالا، فسر النجاح الماليزي ارتبط بعناصر ظهرت بصورة واضحة في مختلف المراحل، الاستثمار في الكوادر البشرية، ووضوح الرؤية، والالتزام المستمر بالتنفيذ. بعض الدول تبني مشروعات تقنية، وبعضها يبني منظومات قادرة على صناعة المستقبل.
في الحلقة القادمة ننتقل إلى مدينة أخرى حملت تجربة مختلفة، وأضافت درسا جديدا من دروس التحول الرقمي.

٢٠ مايو ٢٠٢٦م

اترك رد

error: Content is protected !!