خيارات دونالد ترامب بين القوة والتفاوض: معادلة القرار في لحظة مفصلية!؟

الخلافات الاميريكية الإيرانية تعود الي اكثر ٤٧ عاماً، وتتسع خلال الحرب الجارية، وما بين الحرب والعملية العسكرية يشتجر تعريفها داخلياً.في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتراجع فرص التسوية الدبلوماسية، يجد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه أمام معادلة مركّبة تتجاوز ثنائية الحرب أو التفاوض. فالمسألة لا تتعلق فقط بتقدير الموقف العسكري، بل تتشابك مع قيود دستورية داخلية، وضغوط سياسية، وتوازنات دولية دقيقة تشمل أوروبا، وروسيا، والصين ودول الخليج. وعليه، فإن خيارات القرار الأمريكي، في حال فشل التوصل إلى اتفاق، تتوزع على أربعة مسارات رئيسية:
أولاً: الخيار العسكري – بين الضربة المحدودة والانخراط الواسع
يبقى الخيار العسكري الأكثر حضوراً في أدوات الردع الأمريكية، لكنه ليس خياراً أحادي الشكل. إذ يمكن أن يتخذ أحد مستويين:
• ضربة محدودة عالية الدقة: تستهدف البنية التحتية العسكرية أو القدرات الصاروخية، بهدف إعادة فرض الردع دون الانزلاق إلى حرب شاملة. هذا السيناريو يعتمد على التفوق الجوي والتكنولوجي، مع محاولة تجنب ردود فعل إقليمية واسعة.
• انخراط عسكري أوسع: وهو خيار أكثر كلفة وتعقيداً، قد يشمل عمليات ممتدة أو إعادة تشكيل موازين القوة في الإقليم. غير أن هذا المسار محفوف بمخاطر التصعيد غير المنضبط، خاصة في بيئة إقليمية مترابطة.
لكن هذا الخيار يصطدم مباشرة بإرث تجارب سابقة، أبرزها حرب العراق وأفغانستان، وما خلّفته من حساسية داخلية تجاه الانخراط العسكري طويل الأمد.
ثانياً: العودة إلى التفاوض – من موقع الضغط لا التنازل
رغم التصعيد، يبقى خيار التفاوض قائماً، ولكن بشروط مختلفة عن الاتفاقات السابقة مثل الاتفاق النووي الإيراني 2015. فالإدارة الأمريكية قد تسعى إلى:
• إعادة التفاوض باتفاق أكثر تشدداً يشمل البرنامج الصاروخي والنفوذ الإقليمي.
• استخدام الضغط العسكري والاقتصادي كأداة تفاوضية لفرض تنازلات أوسع.
غير أن هذا المسار يتطلب وسطاء موثوقين، وقد يعيد إحياء أدوار أطراف مثل باكستان أو قنوات أوروبية، لكنه يظل رهناً بمدى استعداد الطرف الآخر لتقديم تنازلات تحت الضغط.
ثالثاً: القيود الدستورية والجدل الداخلي
داخلياً، لا يتحرك القرار العسكري الأمريكي في فراغ. فالدستور الأمريكي يقيّد سلطة الرئيس في إعلان الحرب، ويمنح الكونغرس دوراً محورياً. وقد برز هذا الجدل في سياقات سابقة، مثل تفعيل قانون سلطات الحرب (War Powers Resolution).• أي تصعيد واسع قد يواجه معارضة داخل الكونغرس، خاصة في ظل الانقسام الحزبي.
• الرأي العام الأمريكي يميل إلى الحذر من الحروب الخارجية، ما يفرض كلفة سياسية على أي قرار عسكري.
كما أن اقتراب الاستحقاقات الانتخابية يضيف بعداً براغماتياً، حيث يُحسب القرار العسكري بميزان المكاسب والخسائر السياسية.
رابعاً: المواقف الدولية – بين التحفظ الأوروبي والتوازن الروسي-الصيني
لا يمكن فصل القرار الأمريكي عن البيئة الدولية:
• أوروبا: تميل إلى الحلول الدبلوماسية، وتتحفظ على التصعيد العسكري، خاصة في ظل اعتمادها على استقرار أسواق الطاقة. وقد تسعى للعب دور الوسيط، لكنها تفتقر إلى أدوات ضغط حاسمة.
• روسيا والصين: تتبنيان موقفاً رافضاً للتصعيد العسكري، مع دعم غير مباشر للتوازن الإقليمي. بالنسبة لهما، أي حرب جديدة تمثل فرصة لإعادة تشكيل النظام الدولي، لكنها في الوقت ذاته تحمل مخاطر فوضى غير محسوبة.
• كلا الطرفين قد يستخدمان الأزمة لتعزيز نفوذهما الاقتصادي والسياسي، دون الانخراط المباشر في الصراع.
في ضوء انتقال التفاوض من مستوى “العناوين العامة” إلى مستوى “الحزم التفصيلية” — عبر المقترح الأمريكي ذي النقاط التسع والرد الإيراني الموسّع بخمسة عشر بنداً — لم تعد المعادلة محكومة فقط بثنائية الضغط والتفاوض، بل دخلت طوراً أكثر تعقيداً يمكن وصفه بـ هندسة الاشتباك التفاوضي والحصار اللطيف.
الخلاصة الاستراتيجية ادارة لا الحسم:
لم تعد المعادلة بين “الحسم أو إدارة التوتر”، بل تحولت إلى إدارة تفاوض عالي الكثافة تحت سقف تصعيد مضبوط.
فالولايات المتحدة لم تعد قادرة على فرض اتفاق بشروطها الكاملة، وإيران لم تعد في موقع القبول باتفاق محدود، ما يخلق حالة وسطى قوامها:
• تفاوض بلا اختراق حاسم
• ضغط بلا انفجار شامل
• توازن هش بين الردع والانزلاق
وبذلك، تصبح الاستراتيجية الفعلية هي إدارة فجوة التوقعات لا ردمها، مع إبقاء الأزمة ضمن نطاق يمكن التحكم به، وإن كان ذلك على حساب إطالة أمدها ورفع كلفتها الجيوسياسية.
لم يعد دونالد ترامب أمام خيار إدارة أزمة تقليدية، بل بات يتعامل مع بنية تفاوضية متشعبة، حيث تحاول واشنطن تفكيك الملفات (نووي، صاروخي، إقليمي) إلى مسارات قابلة للقياس والرقابة، بينما تعمد طهران، بقيادة علي خامئني، إلى إعادة تجميعها ضمن إطار سيادي شامل يرفض الانتقائية أو التجزئة.
المقترح الأمريكي (9 نقاط) يعكس توجهاً نحو:
• ضبط البرنامج النووي ضمن قيود زمنية وفنية مشددة
• إدخال عناصر رقابية أوسع
• فتح الباب التدريجي لملفات الصواريخ والنفوذ الإقليمي
بينما الرد الإيراني (15 نقطة) يشير إلى:
• توسيع نطاق التفاوض ليشمل ضمانات أمنية واقتصادية متبادلة
• اشتراط رفع فعلي وملموس للعقوبات قبل أي التزام جوهري
• تثبيت مبدأ التكافؤ السيادي ورفض إدراج القدرات الدفاعية ضمن التفاوض
التحول الجوهري هنا أن الفجوة لم تعد فقط في “المواقف”، بل في منهجية التفاوض نفسها:
• واشنطن تفاوض وفق منطق “التقييد مقابل التخفيف”
• طهران تفاوض وفق منطق “الاعتراف مقابل الالتزام”
وهذا الاختلاف البنيوي يجعل الوصول إلى “اتفاق محسّن” أقرب إلى إعادة تعريف الاتفاق ذاته، وليس مجرد تطوير نسخة 2015.
استراتيجياً، يمكن رصد ثلاثة اتجاهات رئيسية:
1. تآكل خيار الاتفاق السريع
اتساع الفجوة بين 9 و15 نقطة لا يعكس خلافاً كمياً بل نوعياً، ما يقلل احتمالات اختراق سريع، ويدفع نحو جولات تفاوض طويلة ذات طابع تقني وسياسي معقد.
1. تعزيز نموذج “الضغط المتدرج”
في ظل صعوبة فرض الشروط الأمريكية كاملة، ستتجه الإدارة إلى:
• تصعيد محدود ومدروس (عسكري/أمني)
• تشديد اقتصادي انتقائي
• توظيف الحلفاء إقليمياً
بهدف إعادة تشكيل الموقف الإيراني تدريجياً دون الانزلاق لحرب شاملة.
1. تدويل التوازن التفاوضي
الرد الإيراني الموسّع يمنح روسيا والصين أرضية أوسع لدعم مقاربة “التوازن مقابل الهيمنة”، بينما يجد الأوروبيون أنفسهم أقرب إلى لعب دور الوسيط بين مقترح أمريكي مُقيد ورد إيراني سيادي، ما يقلص قدرة واشنطن على فرض رؤيتها منفردة.
الخلاصة الاستراتيجية :
لم تعد المعادلة بين “الحسم أو إدارة التوتر”، بل تحولت إلى إدارة تفاوض عالي الكثافة تحت سقف تصعيد مضبوط.
فالولايات المتحدة لم تعد قادرة على فرض اتفاق بشروطها الكاملة، وإيران لم تعد في موقع القبول باتفاق محدود، ما يخلق حالة وسطى قوامها:
• تفاوض بلا اختراق حاسم
• ضغط بلا انفجار شامل
• توازن هش بين الردع والانزلاق
وبذلك، تصبح الاستراتيجية الفعلية هي إدارة فجوة التوقعات لا ردمها، مع إبقاء الأزمة ضمن نطاق يمكن التحكم به، وإن كان ذلك على حساب إطالة أمدها ورفع كلفتها الجيوسياسية.
—————-
٣ مايو ٢٠٢٦ م



