الرواية الأولى

نروي لتعرف

هموم وقضايا / السفير د. معاوية التوم

خطاب ترامب: المسافة الحرجة بين إعلان النصر والاعتراف بالمأزق!؟

السفير د. معاوية التوم


بين رجاءات الداخل الأمريكي الباحث عن حسمٍ يبدد القلق، وترقّب الأسواق العالمية خصوصاً الطاقة والأسهم لإشارات تطمئن مسارات الإمداد والاستقرار، جاء خطاب الرئيس محمّلاً بنبرة الإنجاز الميداني أكثر من وضوح المآل. فقد انتظرته عواصم القرار ودول المنطقة ، كما انتظرته شاشات التداول، على أمل أن يقدّم إجابات شافية لأسئلة الحرب والنهاية والتكلفة. غير أن ما قُدّم كان سرداً لما تحقق، لا رؤية لما سيأتي؛ خطابٌ خاطب الرغبة الداخلية في الاطمئنان، لكنه ترك الأسواق، كما الإقليم في دائرة ترقّب مفتوح، حيث تظل التوقعات أقوى أثراً من التصريحات.

أولاً: خطاب تحت ضغط الداخل
جاء الخطاب بعد أسابيع من التغطية الإعلامية المتحفظة واستطلاعات رأي لم تمنح الإدارة تفويضاً مريحاً. لذلك، بدا موجهاً بالأساس إلى الداخل الأمريكي، بلغة حاسمة تسعى إلى تثبيت سردية خاصة وصورة الإنجاز كما تراها الادارة الأمريكية وتخفيف وطأة الشكوك.
لكن هذه اللغة، على قوتها، لم تُجب عن السؤال المركزي: هل ما تحقق هو نصر أم مجرد تقدم ميداني، تقيده هرمز وأسعار الطاقة والبورصات؟

ثانياً: إنجاز تكتيكي… وفراغ استراتيجي
استعرض الخطاب ضربات ونتائج ميدانية، لكنه تجنب:
• تعريف النصر الحقيقي
• تحديد نهاية العمليات
• رسم ملامح “اليوم التالي”
وهنا تتجلى الإشكالية: نجاح العمليات لا يعني بالضرورة تحقق الأهداف السياسية، وهو ما أبقى الخطاب معلقاً بين روايتين: تكتيك مؤكد، واستراتيجية لم تتضح بعد.

ثالثاً: الخليج بين الطمأنة وإعادة توزيع العبء
طمأن الخطاب الحلفاء، لكنه في الوقت ذاته دعا إلى تأمين جماعي للممرات الحيوية، خاصة مضيق هرمز. هذا التحول يعكس تغييراً في الدور الأمريكي: من التزام مباشر إلى شراكة أمنية متعددة الأطراف. ونتيجة لذلك، يظل القلق قائماً والمخاوف في ازدياد حول حدود الضمانات الأمريكية مستقبلاً، وما إذا كانت ستغطي فعلياً كل السيناريوهات في المنطقة، في ظل تباعد أوربا وتباينها مع الموقف الأمريكي والقيود التي تضعها في التدخل عقب إيقاف الحرب .

رابعاً: إسرائيل… الحليف الحاضر في الميدان الغائب في الخطاب
رغم أن إسرائيل تمثل ركناً أساسياً في الصراع، وشريكاً أصيلا في الحرب وكلفتها ونهايتها، فإن حضورها في الخطاب جاء باهتاً، أو متعمداً إخفاؤه. هذا الغياب لشريك عضوي وتحالفي يُقرأ كحساسية سياسية في إدارة المشهد: إبراز الدور الإسرائيلي قد يوسّع دائرة التوتر ويعقّد التسويق الداخلي للحرب. الخطاب فصل الشريك عن القرار الأمريكي لتقديم المواجهة كسيادة مستقلة، مع أن الميدان لا يسمح فعلياً بإخراج إسرائيل من الصورة، وهي حاضرة بطباعتها الجوية وخطابها.

خامساً: إيران… من إضعاف القدرات إلى اختبار السلوك
قدّم الخطاب إيران ككيان ضعُف إلى حد كبير، لكنه لم يوضح سلوكها المستقبلي. التجارب تشير إلى أن الضربات العسكرية قد تدفع نحو إعادة تموضع أكثر تعقيداً باستخدام أدوات غير مباشرة وأساليب استنزاف طويلة. السؤال الحقيقي لم يعد: ماذا خسرت إيران؟ بل: كيف ستتصرف بما تبقى لديها من أدوات؟ هذا الغموض يبقي التهديد قائماً، وإن تغيّر شكله، ويجعل أي تقييم للنجاح الأمريكي ناقصاً إذا لم يؤخذ في الحسبان الرد غير المباشر المحتمل.

سادساً: العالم والطاقة… من جغرافيا الصراع إلى اقتصاد القلق
تنتقل تداعيات الخطاب من الجغرافيا السياسية إلى الاقتصاد العالمي، حيث تظل المخاوف مرتبطة بأمن الممرات الحيوية، وفي مقدمتها مضيق هرمز. غياب وضوح النهاية، مقروناً باحتمالات الرد غير المباشر، يجعل أسواق الطاقة والأسهم رهينة للتوقعات أكثر من الوقائع. لا يكفي خطاب الطمأنة لاحتواء القلق، ما دام الغموض يظل سيد الموقف.

سابعاً: الأسواق… ارتداد مؤقت وهشاشة مستمرة
رغم نبرة الطمأنة، كان رد الأسواق محدوداً بمؤشرات مضطربة : تحسن قصير الأجل يقابله قلق هيكلي مستمر. فالاستقرار المالي يحتاج إلى وضوح استراتيجي، وهو ما لم يوفره الخطاب، ويؤكد أن التوقعات الاقتصادية مرتبطة بتطورات الميدان أكثر من التصريحات الرسمية.

الخاتمة: إدارة المأزق بلغة النصر
لم يكن خطاب دونالد ترامب إعلاناً لنهاية الحرب، ولا اعترافاً صريحاً بمأزقها، بل محاولة لإدارة المسافة بينهما. ولقد ما نجح في:
• تهدئة الداخل نسبياً
• تثبيت رواية الإنجاز
لكنه لم ينجح في:
• رسم نهاية واضحة
• بناء يقين استراتيجي
وهكذا، تبقى المنطقة ومعها العالم والحزب الجمهوري والناخب الأمريكي في انتظار ما ستفعله إيران، وكيف ستتصرف واشنطن، وما موقع إسرائيل في المرحلة القادمة. الحقيقة الأبرز، أن الحرب لم تُحسم بعد، وما قُدّم بوصفه نصراً قد يكون في جوهره إدارة لمأزق مفتوح.
⸻——
٢ أبريل ٢٠٢٦ م


اترك رد

error: Content is protected !!