الرواية الأولى

نروي لتعرف

هموم وقضايا / السفير د. معاوية التوم

جيشٌ واحد .. ورايةٌ واحدة : لماذا بات توحيد البندقية تحت القوات المسلحة شرطًا لبقاء الدولة السودانية!؟

السفير د. معاوية التوم

مدخل: الحرب واختبار فكرة الدولة

يخوض السودان واحدة من أعقد وأقسى الحروب في تاريخه الحديث، حرب لمتقتصر آثارها على القتل والدمار  والإفقار الإنساني والعمراني، بل امتدتلتضع فكرة الدولة نفسها موضع تساؤل واختبار. فقد كشفت الوقائع، علىالأرض وفي السياسة وكل أوجه الحياة، أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط فيالسلاح المنفلت أو التمرد المسلح والاختراقات الامنية لمنظوماتنا العسكرية، بلفي تشظي القوة النظامية وتعدد الواجهات العسكرية داخل الدولة الواحدةوارتفاع كلفتها.

هذه الحرب، بكل كلفتها وتبعاتها، فرضت على السودانيين – وعلى المجتمعالاقليمي والدولي – إعادة التفكير في الأسس التي يمكن أن تُبنى عليها دولةمستقرة بعد توقف القتال. وفي مقدمة هذه الأسس يبرز سؤال جوهري:

هل يمكن لدولة أن تستقر وتتعافى وتقف على رجليها بوجود أكثر من جيش أوأكثر من مرجعية للسلاح بواجبه الوطني والدستوري والأخلاقي؟

لم تكن الحرب التي اندلعت في السودان مجرد مواجهة عسكرية بين طرفين، بلكانت – في جوهرها – امتحانًا قاسيًا لفكرة الدولة نفسها، أرضا وشعبا ودولة. فقد أسقطت الأقنعة عن هشاشة البناء الوطني، وكشفت أن الخطر الأكبر لايكمن فقط في التمرد المسلح، بل في تشظي القوة المسلحة وتعدد الواجهاتالعسكرية والبندقية داخل الدولة الواحدة.

لقد أثبتت الوقائع الميدانية أن الدولة التي تسمح بتعدد الجيوش، أوو التقاضيعن تبعاتها ولو تحت مسميات وطنية أو حليفة، إنما تؤجل انفجارها الداخلي،وتراكم أسباب انهيارها من حيث لا تشعر. ومن هنا، فإن معركة السودان اليومليست فقط مع مليشيا متمردة، بل مع إرث طويل من الاستثناءات السياسيةوالعسكرية والتشوهات والشرعنة الموازية التي قُدّمت باسم التوازن والهامش،فانتهت إلى الفوضى والكارثة.

أولًا: التعدد العسكري… من حلول اضطرارية إلى مأزق بنيوي

على مدى سنوات، لجأت الدولة السودانية، في لحظات ضعفها السياسي أوالأمني والهشاشة السياسية، إلى حلول مؤقتة تمثلت في:

​•​استيعاب حركات مسلحة دون دمج كامل كما تقتضي الاحوالوالأعراف

​•​شرعنة قوات موازية بذريعة الضرورة

​•​الإبقاء على تشكيلات مسلحة مستقلة تحت مسميات وواجهاتمتعددة،

وقد تراكمت هذه الخيارات التي تقوم على القبيلة والمناطقية والجهويات، حتىأفرزت واقعًا معقدًا يضم عشرات التشكيلات، بنمط تنافسي مثل: القواتالمشتركة، درع السودان، البراءون، كتيبة الشرق، حركة الجزيرة، فضلًا عنعشرات الحركات المسلحة في دارفور والشرق والجزيرة وغيرها.

ورغم أن بعض هذه القوى شارك في القتال دفاعًا عن الوطن والدولة وفق أسس،إلا أن الإشكال لا يكمن في النوايا، بل في البنية. فالتجربة تثبت أن التعددالعسكري، مهما كانت دوافعه وما قدمه مهما عظم ، يتحول مع الزمن إلى:

​•​تعدد في مركز القرار

​•​وتضارب في الأولويات والتنسيق

​•​ومراكز قوة مستقلة عن الدولة والشعب وعبء على مستقبل الدولة

وهو ما يجعل من الحرب نفسها عامل تفكيك إضافي بدل أن تكون مدخلًالإعادة التوحيد. ومن ثم يشكل عقبة مستقبلية في الامن القومي وفكرته الكليةومطلوباته الملحة.

ثانيًا: توحيد السلاح… ضرورة دولة لا خيار سلطة

إن الدعوة إلى دمج كل الحركات المسلحة والتنظيمات العسكرية بتشكيلاتهاتحت لافتة القوات المسلحة السودانية وقد تجاوزت القرن منذ تأسيسها لا تنطلقمن منطق الإقصاء  والتهميش أو الهيمنة، بل من منطق بناء الدولة الحديثة،وضبط الإمرة والسيطرة العسكرية.

فالدولة، وفق كل التجارب المقارنة، لا يمكن أن تقوم على:

​•​جيوش متعددة

​•​أو عقائد متباينة

​•​أو ولاءات مسلحة جزئية

. او على مشروعية النزاعات المسلحة

أ.وحدة القيادة والسيطرة

أي عملية عسكرية وطنية فاعلة تتطلب:

​•​قيادة موحدة بتقاليد راسخة

​•​تسلسلًا واضحًا  وضوابط للأوامر

​•​ومساءلة مؤسسية

تعدد القوات يعني عمليًا تعدد غرف القرار، وهو ما يفتح الباب للفوضى، حتىفي لحظات الانتصار والسلم، وتجارب البلاد مريرة عبر التاريخ.

ب.العقيدة العسكرية كضمانة وطنية

القوات المسلحة ليست مجرد قوة قتالية، بل مؤسسة وطنية ذات رمزية سياديةتقف على:

​•​عقيدة

​•​وانضباط

​•​وتقاليد مهنية راسخة

دمج أي قوة خارج هذه المنظومة دون صهرها الكامل داخل العقيدة العسكرية،يُبقي احتمالات الانقسام قائمة، ويهدد استدامة السلام لاحقًا، ودوامةالانقلابات وبؤر التفتيت.

ثالثًا: المسميات والواجهات… أثرها الرمزي والعملي

الإبقاء على مسميات عسكرية مستقلة، حتى تحت مظلة واحدة، يبعث برسالةسلبية مفادها أن البناء الوطني ما يزال ضعيفاً وهشاً، والسلاح يمكن أن يكونتابعًا:

​•​لإقليم

​•​او لجهة أو جماعة

​•​أو فكرة سياسية او ايديولوجية

ولهذا فإن إلغاء كل المسميات العسكرية الموازية واعتماد مسمى واحد هو“القوات المسلحة السودانية” يمثل خطوة رمزية وعملية في آن واحد، تعيدالاعتبار لمفهوم الدولة وتُرسّخ وحدة الانتماء والهدف، وهذا لا يسقط التطويروالمواكبة في الجيوش الوطنية وتمتين قواعدها ومرعياتها وشمولية مكونها.

ويشمل ذلك:

​•​توحيد لوحات المركبات والآليات العسكرية تحت (ق.ش)، والألبسةوغيرها

​•​ربطها إداريًا بإدارة النقل العسكري

​•​إخضاعها لنفس نظم المتابعة والمساءلة والضبط والربط

رابعًا: الاقتصاد العسكري ومنع نشوء دولة داخل الدولة

أثبتت تجارب الحروب أن أخطر ما يهدد الدول الخارجة من النزاعات هواقتصاد الحرب.

فحين تمتلك التشكيلات المسلحة حرية في الحركة والتمدد والارتباط وشركاتواستثمارات وموارد مالية مستقلة، تتحول الحرب من مأساة وطنية إلى فرصةربح، ومزايدة خارج السقف الوطني وهدر للإمكانات الشحيحة أصلا .

إن إخضاع كل الاستثمارات والموارد المالية التابعة لهذه التشكيلات إلىصندوق دعم القوات المسلحة وقنواته بما :

​•​يعزز الشفافية والحيادية

​•​ويمنع تضارب المصالح

​•​ويقطع الطريق أمام نشوء مراكز نفوذ اقتصادية مسلحة، قابلةللخروج عن السيطرة.وهو شرط أساسي لأي إصلاح أمني جاد، وسياج منيعلعصمة هذه الموسسة من التنازعات وتعدد المراكز .

خامسًا: الرتب العسكرية بين المهنية والاعتبار السياسي

من التشوهات التي أفرزتها الحرب وما قبلها، التوسع في منح الرتب العسكريةخارج الأطر النظامية.وهذا لا يمس فقط هيبة المؤسسة، بل يضرب جوهرهاالمهني.إن إعادة ضبط منظومة الرتب، وتجريد الرتب غير المستحقة، يجب أن يتمفي إطار:

​•​مهني احترافي

​•​وقانوني ضابط

​•​ومؤسسي تراتيبي

مع فتح الطريق أمام من يرغب في التدرج العسكري المشروع عبر:

الكلية الحربية والمؤسسات التدريبية المعتمدة بالدولة.

سادسًا: نزع السلاح وإعادة الدمج والتسريح… برؤية واقعية

كل التجارب الإقليمية والدولية تُجمع على أن برامج نزع السلاح وإعادة الدمجوالتسريح (DDR) لا تنجح إلا  إذا نُفذت بل :

​•​تُنتج مليشيات مؤجلة

​•​أو قوى ناقمة

​•​أو جيوش ظلّ

​•​بشكل شكلي مصلحي عابر

​•​أو خارج المؤسسة العسكرية

​•​أو دون جدول زمني واضح وأسس ضابطة ، بعيدا عنالمحاصصة والغنائم كما

في الحالة السودانية، لا بد أن تتم هذه العملية:

​•​داخل منظومة القوات المسلحة

​•​وفق معايير مهنية ولجان منهجية

​•​مع استيعاب المؤهلين، وتسريح غير المؤهلين ضمن برامج مدنيةحقيقية.

سابعًا: مراجعة الأطر السياسية السابقة

أفرزت المرحلة الانتقالية السابقة، بما فيها الوثيقة الدستورية واتفاق جوبا،ترتيبات استثنائية فرضتها ظروفها، رغم ان كلاهما تأسس على معادلاتسياسية وأمنية لم تعد قائمة، ومعظم مكوناتها باتت الان في خانة العداء للدولة. غير أن مقتضيات الحرب وضرورات السلام المستدام، وعبر المشهد، أعادتتشكيل الواقع السياسي والأمني بوضعية مختلفة.

ولا يمكن بناء مستقبل الدولة على ترتيبات لم تعد تعكس موازين الواقع أومتطلبات الاستقرار.

المطلوب اليوم ليس إلغاء التاريخ، بل مراجعته بعقل الدولة المستبصر والفكرالوطني الجمعي  المستنير ، وتجارب الامم التي تعزز وتبقي علي المصلحةالوطنية العليا لا عقلية الحروب وقادتها وطموحاتهم على حساب الاستقرار.

ثامنًا: دروس التجارب المقارنة

تُظهر تجارب دول خرجت من حروب أهلية أن:

​•​الدعم الخارجي قد يتعدد

​•​والإسناد اللوجستي والعتاد قد يتنوع

. والطموحات الشاطحة موجودة وجامحة

لكن الواجهة العسكرية يجب أن تبقى واحدة.

كل تجربة سمحت بتعدد الجيوش انتهت إلى صراعات داخلية طويلة الأمدوالمخاطر وعصية على الحلول والمعالجات.

تاسعًا: التعبئة الشعبية والانضباط الوطني

التعبئة الشعبية تمثل طاقة وطنية مهمة، تفرضها ضرورات، لكنها لا تؤتيثمارها إلا إذا:

​•​خضعت لإمرة القوات المسلحة

​•​واحترمت سلسلة القيادة

​•​وعملت تحت رآية واحدة

.ولبت النداء الوطني بأجله ومحدداته،لا دواعي الاستقطاب  وواقع الحركاتالمسلحة، والتشكيلات التي تؤسّس على هداها

خاتمة: شرط الدولة قبل شرط السياسة

إن الحرب في السودان ليست معركة سلطة، بل معركة بقاء دولة، خضعت لظرفاستثنائي طاريء حين استغل العدو الخارجي ساحة الوطن عبر هذهالتشكيلات. فلابد له الان من معالجة وطنية جامعة وعاجلة ، عادلة و مستدامة. ولا يمكن خوض حرب وجودية وفق التحديات الماثلة بعقلية التوازنات المؤقتة أوالمجاملات السياسية، والابقاء على الواقع الراهن.

الطريق الوحيد لعبور هذه المحنة هو جيش واحد، بعقيدة واحدة، وقيادة واحدة،ورآية واحدة.

ولا يمكن لدولة أن تنجو وتتعافى بوجود جيوش متعددة أو سلاح خارج سيادتهاالواحدة وإمرة منظومتها العسكرية وتراتيبيتها.

إن توحيد القوة المسلحة تحت راية القوات المسلحة السودانية، بعقيدة واحدةوقيادة واحدة، ليس خيارًا سياسيًا، بل شرطًا وجوبيا وتأسيسيًا لاستعادةالدولة المختطفة والتيارات المتعددة التي تتهددها، وبناء سلام مستدام،واستعادة ثقة الداخل والخارج. أما تعدد الواجهات العسكرية، مهما كانتتضحياتها وعطائها أو نواياها، فهو خطر مؤجل على الدولة، ويؤسس لصراعاتما بعد الحرب قبل أن تنتهي الحرب نفسها، فهل من متعظ .

—————

٢ يناير ٢٠٢٦م

اترك رد

error: Content is protected !!