الرواية الأولى

نروي لتعرف

الكتلة الحرجة / ود البلد

بين هرمز وبيروت: كيف تُدار المعركة دون أن تتوقف الحرب؟

في خطوة بدت مفاجئة أوقفت أكثر من خمسة أسابيع من المواجهة المباشرة، أعلنت الولايات المتحدة وإيران هدنة مؤقتة لمدة أسبوعين بوساطة باكستانية، تتضمن إعادة فتح مضيق هرمز تمهيدًا لمفاوضات مباشرة في إسلام آباد.
ظاهريًا، يبدو المشهد وكأنه بداية تهدئة، لكن القراءة الأعمق تكشف عن واقع مختلف تمامًا، فالحرب لم تتوقف، بل تغيّر شكل إدارتها.

هدنة بلا سلام:

رغم الإعلان المتبادل و متعدد الأطراف عن “الانتصار”، تعكس الوقائع الميدانية هشاشة واضحة، حيث أعادت إيران تقييد حركة الملاحة في مضيق هرمز ردًا على التصعيد الإسرائيلي في لبنان، بينما كثّفت إسرائيل ضرباتها ضد حزب الله، مؤكدة أن الهدنة لا تشمل هذه الجبهة، فيما تمارس الولايات المتحدة ضغوطًا لفتح المضيق بشكل كامل، مع تلويح بعواقب عسكرية.
نحن إذن أمام وقف اشتباك جزئي، لا اتفاق سلام؛ حيث تستمر الحرب، ولكن عبر جبهات متعددة وبإيقاع محسوب.

تفاعلات الصراع على شكل النظام الإقليمى بين رؤيتين:

تعكس الرؤى المطروحة فجوة عميقة في تصور كل طرف من أطراف الصراع لمستقبل النظام الإقليمي وفق المسارات التالية:
▪️مسعى إيران إلى تثبيت واقع جديد يقوم على اعتراف ضمني بدورها الإقليمي، تخفيف أو رفع العقوبات، والإبقاء على برنامجها النووي، مع توظيف مضيق هرمز كورقة سيادية قابلة للاستخدام وربما للتسعير.
▪️مضى الولايات المتحدة قدما فى مسار معاكس تمامًا تهدف من خلاله إلى احتواء البرنامجين النووي والصاروخي الإيرانيين، تقليص نفوذ “محور المقاومة”، وضمان حرية الملاحة فى مضيق هرمز دون شروط.
هذا التباين لا يقتصر على بنود تفاوضية، بل يعكس صراعًا أعمق على سؤال جوهري: من يضع قواعد اللعبة في الشرق الأوسط؟

هرمز: من ممر مائي إلى أداة تسعير:

أحد أخطر تحولات الأزمة الحالية يتمثل في إعادة تعريف وظيفة مضيق هرمز.
فالمضيق لم يعد مجرد ممر ملاحي لعبور الطاقة، بل تحول إلى أداة ضغط جيوسياسي، وسيلة تأثير مباشر على أسعار النفط، وربما – إذا تطور الأمر-آلية لفرض “تكلفة مرور” بشكل غير رسمي.
إذا نجحت إيران – حتى جزئيًا – في فرض إيقاع مرور تتحكم فيه، فنحن أمام سابقة قد تعيد تعريف مفهوم السيادة على الممرات البحرية، وهو ما يصعب على الولايات المتحدة قبوله على المدى الطويل.

الهدنة الإفتراضية وإعادة توزيع أدوار الحرب:

ما يجري فعليًا تحت مسمى الهدنة ليس تهدئة، بل إعادة توزيع للأدوار، فالولايات المتحدة تخفف انخراطها المباشر لتقليل الكلفة، بينما تعيد إيران تفعيل أدواتها غير المباشرة وتعيد ترتيب أوراقها، و فى الوقت ذاته تتولى إسرائيل المواجهة الميدانية المكثفة مع حزب الله في لبنان.
بهذا الشكل، تستمر الحرب دون أن تتحمل قوة واحدة عبئها الكامل.
وهنا تستعيد مقولة القائد و المؤرخ العسكرى اليونانى القديم “ثيوسيديدس” دلالتها الكاملة: “القوي يفعل ما يستطيع، والضعيف يعاني ما يجب أن يعانيه.”
فالقوى الكبرى تعيد تشكيل مسرح العمليات وفق مصالحها، بينما تتحمل ساحات الصراع المفتوحة – كبيروت – الكلفة البشرية والمادية.

إدارة الصراع بدلا من حله، والسيناريو الذى يلوح فى الأفق:

في ضوء المعطيات الحالية، لا يبدو أن الأطراف تتجه نحو تسوية شاملة، بل نحو إدارة الصراع عبر مسارات متوازية عبر إطالة الهدنة بشكل غير مباشر استنادا إلى تفاهمات جزئية تمنع الانفجار الكبير، مع تأجيل التوصل إلى صفقة كبرى إلى حين توافر شروط أفضل لكل طرف، و عدم استبعاد احتمالية تطور الموقف إلى انفجار غير محسوب نتيجة خطأ ميداني أو تصعيد خارج السيطرة من أى طرف.
و يبقى القاسم المشترك بين هذه المسارات جميعًا “أن الحرب ستستمر ولكن تحت سقف مضبوط”.

الخلاصة: من يملك إيقاع الحرب؟

الهدنة الحالية لا تعني نهاية المواجهة، بل تعني أن الأطراف الرئيسية اختارت خوضها بطريقة أكثر كفاءة وأقل كلفة مباشرة.
وبين هرمز وبيروت، لم يعد السؤال: هل ستندلع الحرب؟ بل أصبح:
من يملك القدرة على التحكم في إيقاعها ومن سيدفع ثمنها؟
وفي هذا السياق، يتكرر الدرس الذي لم يتغير، و مفاده أن الأقوياء يحددون شكل الصراع، أما الآخرون فيعيشون نتائجه.

اترك رد

error: Content is protected !!