
لم يعد كافيًا أن يحمل المرء شهادة مرموقة أو لقبًا أكاديميًا رفيعًا ليُحسب ضمن أهل الرأي الرشيد. فنحن في زمن تتداخل فيه المعرفة مع الاستعراض الأجوف، ولم يعد المعيار الحقيقي ما يُعلَّق على الجدران من شهادات، بل ما يُقدَّم أثرًا بائنًا في ساحات القول والفعل من صدق واتساق ومسؤولية.
في هذا السياق، تابعتُ قبل يومين مقابلة البودكاست “الحل إيه” التي تقدمها الإعلامية المصرية رباب المهدي، والتي استضافت الأكاديمي الإماراتي الدكتور عبد الخالق عبد الله. وقد تناولت المقابلة قضايا مفصلية، من موقع الإمارات كفاعل إقليمي، إلى الربيع العربي، والعلاقة مع السعودية، والتطبيع، ودورها في السودان واليمن، وصولًا إلى نموذج ما بعد النفط.
غير أن ما لفت الانتباه لم يكن مضمون الإجابات بقدر ما كان نمط الخطاب ذاته؛ خطاب يسعى إلى التبرير أكثر من التفسير، وإلى التجميل أكثر من المواجهة، وإلى التزييف وافتقار الحجة أكثر من الصدع بالحق والقدرة على الإقناع. وهنا، قفز إلى ذهني نموذج آخر، هو الدكتور الوليد آدم مادبو، الذي يتحرك في سياق مختلف ظاهريًا، لكنه يلتقي مع عبد الخالق في جوهر الأداء.
كلا الرجلين تلقى تعليمًا عاليًا في مؤسسات مرموقة، وكلاهما يحاول الحضور عبر المنابر الأكاديمية والإعلامية، لكنهما – paradoxically – يقدّمان نموذجًا مقلقًا لما يمكن أن نسميه “الجهل المؤسَّس”. فبدل أن يكون العلم أداة لكشف الحقيقة، يتحول إلى غطاء بلاغي لإخفائها أو تحريفها.
الأخطر أن كليهما، في سعيه للدفاع عن الجهة التي ينتمي إليها أو يتقاطع معها، ينتهي إلى الإضرار بها. فخطاب عبد الخالق عبد الله، بدل أن يُحسّن صورة الدور الإماراتي، يُظهر تناقضاته ويؤكد ما يُقال عنه. وكذلك الوليد آدم مادبو، الذي، في دفاعه عن أطروحات مرتبطة بمليشيا الدعم السريع المتمردة، أو كيانات موازية تفتقد الشرعية والاعتراف، مثل ما يُطرح تحت مسمى “تأسيس”، يرسّخ الشكوك بدل أن يبددها.
هذا الفشل ليس معرفيًا فقط، بل أخلاقي أيضًا. إذ يتبدّى في غياب الأمانة الفكرية، وفي انتقاء الوقائع، وفي محاولة فرض خطاب متعالٍ يُغفل تعقيدات الواقع ويستخف بوعي الجمهور. ولذلك لم يكن مستغربًا أن يواجها رفضًا واسعًا، ليس بسبب ما يقولانه فقط، بل بسبب كيف يقولانه.
في المقابلة المذكورة، بدت رباب المهدي أكثر تماسكًا ودقة، إذ مارست دورها المهني بصلابة، ونجحت في تفكيك كثير من الطروحات دون مجاملة، مقدمة نموذجًا للإعلام حين يكون أداة مساءلة لا منصة ترويج.
ولم يعد الإعلام، في بنيته الحديثة، مجرد ناقل للخطاب أو وسيط بين المتحدث والجمهور، بل أصبح – بتعدد منصاته وتسارع إيقاعه وتفاعلية أدواته – جهازًا كاشفًا يعمل على اختبار صدقية الخطاب في لحظته، لا بعده. فكل قول بات خاضعًا للمراجعة الفورية، وكل ادعاء قابلًا للتفكيك، وكل تناقض مرشحًا لأن يُعرَّى أمام جمهور لم يعد متلقيًا سلبيًا، بل شريكًا في الفحص والمساءلة.
وفي هذا السياق، لم يعد ممكنًا لمن يتزيّا بالعلم أن يحتمي بالألقاب أو يتوارى خلف سلطة المؤسسة، إذ سرعان ما تتكشّف الفجوة بين اللغة التي يستخدمها والمضمون الذي يقدّمه، بين الادعاء المعرفي والحقيقة الفعلية. وهنا تحديدًا، يؤدي الإعلام إحدى وظائفه الجوهرية؛ ليس في الترويج ولا في إعادة تدوير الخطاب، بل في فضح الزيف، وكشف التناقض، وإعادة الاعتبار لمعيار الحقيقة بوصفه المرجعية العليا.
فالإعلام، حين يعمل في صورته الصحيحة، لا يكتفي بعرض الآراء، بل يختبرها، ولا يساوي بين السرديات، بل يزنها، ولا يمنح الشرعية لكل صوت، بل يسائل مصادره وحدود معرفته. وبذلك، يصبح كشف المتزيّنين بالعلم ليس حدثًا عارضًا، بل نتيجة طبيعية لوظيفة أصيلة، تعيد ضبط العلاقة بين المعرفة والسلطة، وتمنع تحويل الخطاب الأكاديمي إلى أداة تضليل مغلّفة بلغة النخبة.
إن ما يجمع بين هذين النموذجين ليس الانتماء ولا الموضوع، بل ظاهرة أعمق، جهل يتدثر بثوب العلم، ويتحدث بلغة النخبة، لكنه يفتقر إلى جوهر المعرفة. وهي ظاهرة تكشفها اليوم وسائل الإعلام ووسائط التواصل، حيث لم يعد بالإمكان إخفاء التناقضات أو تمرير السرديات الضعيفة دون مساءلة.
وخلاصة القول أن العلم الحقيقي لا يُقاس بالألقاب وكثر الشهادات، بل بالقدرة على قول الحقيقة، حتى حين تكون مُكلفة. وما دون ذلك، مهما بدا لامعًا، ليس سوى معرفة مُزيّفة، سرعان ما تسقط أقنعتها حين تُوضع تحت ضوء الحقيقة، لا تحت أضواء المنابر وأمام الشاشات، حيث يسطع البريق… ويغيب ميزان الحق والحقيقة والأخلاق.
الثلاثاء 31 مارس 2026م


