بين الفيتو وانسداد الأفق: العالم على حافة معادلة خطرة بين القوة والقانون!؟
مقدمة: لحظة دولية حرجة

في لحظة دولية مشحونة بالتوتر، جاءت جلسة مجلس الأمن الأخيرة لتكشف عمق المأزق الذي يواجهه النظام الدولي، حيث سقط مشروع القرار تحت وطأة الفيتو، الصيني الروسي المشترك ليبدد آمال احتواء التصعيد المتزايد المرتبط بحرية الملاحة وأمن الممرات البحرية. لم يعد الأمر مجرد خلاف دبلوماسي، بل تحول إلى اختبار حقيقي لقدرة المجتمع الدولي على التوفيق بين منطق المصالح الخاصة ومتطلبات الشرعية الدولية، في ظل بيئة عالمية تتجه نحو مزيد من السيولة وعدم اليقين. ورتب على أطراف الحرب الثلاثية مسؤلية كبرى في قانون البحار وحماية الملاحة البحرية والمرور الامن ومصالح دول وشعوب العالم.
أولًا: الفيتو وتعطيل الإرادة الدولية
لم يكن استخدام الفيتو في هذه الجلسة حدثًا معزولًا، بل يعكس نمطًا متكررًا من شلل مجلس الأمن عندما تتقاطع مصالح القوى الكبرى. فبدلًا من أن يؤدي المجلس دوره كآلية لحفظ السلم والأمن الدوليين، بدا وكأنه رهينة للتوازنات السياسية، حيث تتقدم الحسابات الجيوسياسية على مقتضيات القانون الدولي. هذه الحالة تعمّق من أزمة الثقة في المؤسسة الأممية، وتطرح تساؤلات جدية حول جدوى إصلاحها أو البحث عن بدائل موازية. واين تكن مصالح الدول التي استخدمت حق النقض.!
ثانيًا: غياب القرار الموحد وتغذية التصعيد
إن فشل تمرير مشروع القرار يترك فراغًا سياسيًا خطيرًا، يمنح أطراف الصراع مساحة أوسع للمناورة. ففي غياب موقف دولي حاسم، تميل الأطراف إلى تفسير هذا الانقسام كضوء أخضر غير مباشر للاستمرار في سياسات التصعيد، سواء عبر العمليات العسكرية أو عبر أدوات الضغط غير التقليدية. وهو ما يرفع من احتمالات الانزلاق نحو مواجهات أوسع، قد تتجاوز حدود الإقليم لتطال النظام الدولي بأكمله. لولا التدخل الباكستاني الذي ملأ الفراغ الناجم بحكمة.
ثالثًا: حرية الملاحة بين القانون وأدوات الضغط
تحولت مسألة حرية الملاحة من مبدأ قانوني راسخ إلى ورقة ضغط استراتيجية. فبينما تتمسك بعض القوى بضرورة تأمين الممرات البحرية باعتبارها شريانًا حيويًا للتجارة العالمية، ترى أطراف أخرى أن هذه الحرية لا يمكن فصلها عن السياقات السياسية والأمنية الأوسع. وهنا تتجلى الإشكالية الكبرى: هل يمكن ضمان حرية الملاحة بمعزل عن معالجة جذور الأزمات، أم أنها ستظل رهينة للصراعات والنفوذ؟
رابعًا: تداعيات اقتصادية تتجاوز الجغرافيا
لا تقف آثار هذه الأزمة عند حدود السياسة، بل تمتد سريعًا إلى الاقتصاد العالمي. فالتوترات في الممرات البحرية تؤدي إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وتزيد من تقلبات أسعار الطاقة، ما ينعكس مباشرة على الأسواق العالمية وسلاسل الإمداد. ومع استمرار حالة عدم اليقين، قد نشهد تحولات في طرق التجارة الدولية، وسعيًا متزايدًا نحو تقليل الاعتماد على النقاط الجيوسياسية الحساسة.
خامسًا: إعادة تشكيل التحالفات الدولية
سقوط مشروع القرار لا يعكس فقط انقسامًا آنيًا، بل قد يكون مؤشرًا على تحولات أعمق في بنية النظام الدولي. فمع تراجع فعالية مجلس الأمن، قد تتجه الدول إلى بناء تحالفات مرنة أو ترتيبات أمنية موازية خارج الإطار الأممي. هذا الاتجاه يعزز من ملامح نظام دولي متعدد الأقطاب، لكنه في الوقت ذاته يفتقر إلى الضوابط، ما يزيد من احتمالات الفوضى وعدم الاستقرار في ظل التهديد الذي استدمته القيادة الأمريكية في اللحظة الأخير بقبول النقاط الإيرانية العشرة .
خاتمة: بين منطق القوة وضرورة القانون
في المحصلة، تكشف هذه الجلسة استعادة انتاج صراع الحضارات وخطابها شرقا وغربا ، وينم عن مفترق طرق حاسم وأزمة كونية تواجه العالم: إما الاستمرار في إدارة الأزمات بمنطق القوة والمصالح الضيقة، بما يحمله ذلك من مخاطر الانفجار والتوسع، أو إعادة الاعتبار لمنظومة القانون الدولي وتعزيز العمل الجماعي. غير أن استمرار استخدام الفيتو كأداة تعطيل، وتراجع الثقة بالمؤسسات الدولية، يضعان العالم أمام معضلة حقيقية، حيث لم يعد السؤال كيف تُدار الأزمات، بل ما إذا كان النظام الدولي قادرًا أصلًا على احتوائها. هزيمة القرار الاممي نزعت الشرعية عن الحرب وعن مترتباتها، وكشفت عن تأطير مشروع تدميري ثنائي باتجاه إيران يلتقي فيه اليمين الامريكي والاسرائيلي. ولكن تراجع امريكا قبيل انقضاء المهلة بساعة ،باللجؤ الي التفاوض ووقف اطلاق النار لاسبوعين شكل منعطفا لقرار انهاء الحرب من قبل الرئيس ترامب، ووضع إسرائيل في خانة الحيرة والقلق والقبول بما ابرم حتى لو زايدت على جبهة لبنان مؤقتا .
—————-
٨ أبريل ٢٠٢٦ م



