موطئ قلم / د. اسامة محمد عبدالرحيم

بيان الخارجية السودانية بين تصنيف الإرهاب وحدود السيادة

عقيد بحري ركن (م) د. اسامة محمد عبدالرحيم

في ظل الحروب والأزمات الكبرى، كثيرًا ما تصبح اللغة السياسية أداة لا تقل أهمية عن أدوات القوة العسكرية القتالية في الميدان. فالكلمات التي تصدر في البيانات الرسمية لا تُقرأ فقط بوصفها مواقف إعلامية، بل تُفكَّك بعناية داخل دوائر القرار الدولية بوصفها إشارات سياسية وقانونية قد تترتب عليها تبعات استراتيجية طويلة الأمد.

وفي هذا السياق جاء بيان وزارة الخارجية السودانية الصادر في 10 مارس 2026م، والذي طالب بالاستجابة للدعوات لتصنيف مليشيا الدعم السريع المتمردة جماعة إرهابية، على خلفية ما ارتكبته من جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وانتهاكات موثقة للقانون الدولي الإنساني.

ورغم أن مضمون البيان ينطلق من واقع ميداني مؤلم يشهد عليه السودانيون والعالم، فإن مقاربة هذا الملف الخطير لا ينبغي أن تُختزل في مجرد توصيف أخلاقي أو قانوني للأفعال، بل يجب أن تُقرأ كذلك في إطار السياسة الدولية، ومفاهيم السيادة، وأدوات النفوذ التي تستخدمها القوى الكبرى في إدارة الصراعات. ومن هنا تبرز الحاجة إلى قراءة أعمق لمفهوم الإرهاب ذاته، ودلالات استخدامه في الخطاب الدولي، وما قد يترتب على استدعائه في السياق السوداني.

وإذا ما حاولنا شرح مفهوم الإرهاب لغويًا ودلالة المصطلح في بداية مقالنا هذا، نجد أن كلمة الإرهاب في اللغة العربية مشتقة من الجذر الثلاثي (رَهَبَ)، وهو جذر لغوي يدل على الخوف والفزع والهيبة. تقول العرب: رهبه يرهبُه رهبةً أي خافه، ويقال: أرهب فلانٌ غيره أي أخافه أو بثّ فيه الرهبة.
أما المصطلح الإنجليزي Terrorism فهو مشتق من كلمة Terror التي تعني الرعب الشديد، وقد استُخدم تاريخياً لوصف سياسات التخويف أو العنف المنظم الذي يهدف إلى بث الرعب في المجتمع لتحقيق أهداف سياسية أو أيديولوجية.
لكن الإشكالية الكبرى لا تكمن في المعنى اللغوي، بل في التعريف السياسي والقانوني للمصطلح. فحتى اليوم لا يوجد تعريف دولي متفق عليه بشكل كامل لمفهوم الإرهاب، رغم عشرات الاتفاقيات الدولية المتعلقة بمكافحة الإرهاب، الأمر الذي جعل المصطلح عرضة للتسييس والتوظيف السياسي في كثير من الأحيان.

كذلك نجد في القرآن الكريم أن مفهوم الإرهاب ورد كجذرٌ لغويٌ في كلمة (رهب) في القرآن الكريم في عدة مواضع، أشهرها قوله تعالى:
“وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ”
(الأنفال: 60)
وهنا يأتي معنى الإرهاب في سياق الردع المشروع الذي يمنع العدوان ويحمي المجتمع. أي أن المقصود ليس الاعتداء أو نشر الفوضى، بل تحقيق الردع الذي يحفظ الأمن ويمنع الحرب. كما نجد في موضع آخر أن الله تعالى يقول:
“وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا”
(الأنبياء: 90)
أي بين الرجاء والخوف.
وبذلك يتضح أن مفهوم الرهبة في القرآن لا يحمل الدلالة السياسية السلبية التي استقر عليها المصطلح في الاستخدام الحديث، بل يأتي غالباً في إطار الردع أو الخشية المشروعة.

أما في الخطاب الأمريكي والغربي وفي السياسة الدولية المعاصرة، فقد أصبح مصطلح الإرهاب أحد أكثر المفاهيم توظيفاً في العلاقات الدولية. فمنذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م، تحوّل الإرهاب إلى أحد أهم أدوات السياسة الخارجية الأمريكية، ليس فقط في المجال الأمني، بل كذلك في المجال السياسي والاقتصادي.
وقد أظهرت التجربة الدولية أن تصنيف الجماعات أو الدول ضمن قوائم الإرهاب لا يخضع دائماً لمعايير قانونية بحتة، بل يتأثر في كثير من الأحيان بحسابات المصالح والتحالفات.
فالجماعة التي تُصنف إرهابية في سياق معين قد تصبح شريكاً سياسياً في سياق آخر، والعكس صحيح. وهذا ما جعل كثيراً من الباحثين في العلاقات الدولية يصفون مفهوم الإرهاب بأنه أحد أكثر المفاهيم تسييساً في النظام الدولي المعاصر.

ومن المفارقات اللافتة في هذا السياق أن الحيثيات التي استندت إليها الولايات المتحدة في قرارها بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين في السودان تنظيماً إرهابياً تكشف في ذاتها عن قدر ملحوظ من ضعف القراءة لطبيعة المشهد السوداني وتعقيداته. فالمبررات التي سيقت في القرار الأمريكي بدت أقرب إلى استعادة سرديات قديمة تعود إلى حقب سياسية سابقة، دون إظهار فهم كافٍ للتحولات التي طرأت على بنية القوى السياسية السودانية خلال العقد الأخير، ولا للتغيرات التي شهدتها موازين القوة داخل الدولة والمجتمع منذ سقوط نظام الإنقاذ في عام 2019م.

إن أي قراءة دقيقة للمشهد السوداني اليوم تدرك أن البنية السياسية والتنظيمية التي ارتبطت تاريخياً بالحركة الإسلامية قد تعرضت لتفكك كبير، وأن الصراع الدائر في البلاد منذ عام 2023م لم يكن في جوهره صراعاً أيديولوجياً بين تيارات سياسية، بل حرباً مركبة ذات أبعاد عسكرية واقتصادية وإقليمية معقدة. ولذلك فإن تفسير الحرب في السودان عبر عدسة أيديولوجية ضيقة، أو محاولة ردّها إلى صراع مع جماعة بعينها، يعكس خللاً في التشخيص الاستراتيجي، ويكشف في الوقت ذاته محدودية المعلومات التي تستند إليها بعض مراكز القرار في واشنطن عند مقاربة الشأن السوداني.

إن هذه الثغرة في الفهم لا تمثل مجرد خطأ تحليلي عابر، بل قد تقود إلى سياسات خاطئة، لأن بناء القرارات الدولية على قراءة غير دقيقة للواقع المحلي غالباً ما ينتج مقاربات تزيد تعقيد الأزمات بدلاً من المساهمة في حلها. ومن هنا فإن التعويل على مثل هذه القراءات الخارجية لتحديد طبيعة الصراع في السودان أو توصيف أطرافه يظل خياراً محفوفاً بالمخاطر، ويؤكد مرة أخرى الحاجة إلى أن يستعيد السودان زمام تعريف أزمته بنفسه، وأن يقدم للعالم روايته الدقيقة المستندة إلى الوقائع لا إلى التصورات المسبقة.

وإن كان ثمة دلالات لهذا التصنيف وتبعات، فمن المؤكد إن إدراج أي جماعة في قوائم الإرهاب الدولية يترتب عليه عدد كبير من الآثار السياسية والقانونية، من أبرزها:

  • تجريم أي تعامل مالي أو سياسي معها.
  • فرض عقوبات على الأفراد والكيانات المرتبطة بها.
  • توسيع نطاق الملاحقات القانونية الدولية.
  • فتح الباب أمام تدخلات سياسية وأمنية خارجية تحت شعار مكافحة الإرهاب.
    ولهذا السبب فإن مسألة التصنيف ليست مجرد توصيف أخلاقي، بل هي أداة سياسية وقانونية ذات آثار بعيدة المدى.

كما لا يمكن قراءة ملف الإرهاب في السياسة الدولية دون التوقف عند ظاهرة ازدواجية المعايير. فالدول الكبرى كثيراً ما تتعامل مع هذا المفهوم وفق مصالحها الاستراتيجية. فالجماعات التي تخدم مصالحها قد تُوصف بأنها حركات معارضة أو مقاومة، بينما تُصنف جماعات أخرى بأنها إرهابية. وقد شهدت المنطقة العربية والإفريقية خلال العقود الماضية نماذج عديدة لهذا الاستخدام الانتقائي للمفهوم.

ورغم مشروعية المطالبة بمحاسبة المليشيات التي ارتكبت جرائم موثقة ضد المدنيين، إلا أن بيان الخارجية السودانية يثير عدداً من الملاحظات السياسية والدبلوماسية المهمة.
أولى هذه الملاحظات أن البيان جاء في سياق تعليق على قرار أمريكي، هذا القرار يتعلق بتصنيف جهة سودانية أخرى “هي جماعة الاخوان المسلمين او ما يعرف بالحركة الاسلامية السودانية حسب توصيف القرار الامريكي” ، وهو ما يمنح الانطباع بأن واشنطن تملك سلطة تحديد طبيعة الفاعلين السياسيين داخل السودان.
وثاني هذه الملاحظات أن الطلب المباشر من الولايات المتحدة تصنيف طرف سوداني باعتباره منظمة إرهابية يحمل في طياته قبولاً ضمنياً بدور أمريكي في توصيف طبيعة الصراع الداخلي السوداني، وهو أمر قد يفتح الباب مستقبلاً لمزيد من التدخلات السياسية والقانونية في الشأن السوداني.

والتاريخ القريب للعلاقة بين السودان والولايات المتحدة يبيّن أن قوائم الإرهاب والعقوبات الأمريكية لم تكن مجرد أدوات قانونية، بل كانت أدوات ضغط سياسي واقتصادي أثرت بشكل عميق على الشعب السوداني لعقود طويلة.
ومن هنا فإن القبول بمنطق التصنيف كأداة عقابية قد يُفسَّر ضمنياً كقبول بالإطار ذاته الذي استُخدم سابقاً لفرض عقوبات واسعة على السودان نفسه، وهو أمر يحتاج إلى قدر كبير من الحذر في الخطاب الدبلوماسي.

كان بإمكان البيان أن يحقق الهدف ذاته – أي دفع المجتمع الدولي لمحاسبة المليشيات – دون أن يبدو وكأنه يمنح الولايات المتحدة سلطة تحديد طبيعة الصراع السوداني. فمثلاً كان يمكن أن يركز البيان على:

  • المطالبة بلجنة تحقيق دولية مستقلة في الجرائم المرتكبة.
  • إحالة الملف إلى مجلس الأمن الدولي.
  • المطالبة بتفعيل القانون الدولي الإنساني.
  • التأكيد على أن السودان يحتفظ بحقه السيادي في توصيف التمرد ومواجهته.
    وبذلك يصبح الخطاب السوداني أكثر اتزاناً بين المطالبة بالعدالة الدولية والحفاظ على السيادة الوطنية.

ومن باب النصح للقيادة السياسية نقول: إن إدارة الخطاب السياسي في زمن الحرب لا تقل أهمية عن إدارة العمليات العسكرية. ومن هنا يمكن الإشارة إلى بعض المبادئ التي قد تعزز الموقف السوداني في الساحة الدولية:

  • بناء خطاب قانوني يستند إلى القانون الدولي الإنساني.
  • تجنب إعطاء القوى الكبرى دور الحكم في الصراعات الداخلية.
  • تدويل الجرائم عبر المؤسسات الدولية متعددة الأطراف.
  • بناء تحالفات دبلوماسية إقليمية داعمة للموقف السوداني.
  • الحفاظ على خطاب سيادي يوازن بين العدالة الدولية والاستقلال الوطني.

وليس ضعف القراءة الأمريكية للشأن السوداني أمراً جديداً، بل هو ظاهرة تكررت في محطات عديدة من تاريخ العلاقة بين الخرطوم وواشنطن. فالسودان نفسه ظل مدرجاً في قائمة الدول الراعية للإرهاب لأكثر من ربع قرن، وهي فترة طويلة تكبد خلالها الشعب السوداني كلفة اقتصادية وسياسية باهظة، رغم أن كثيراً من المراجعات اللاحقة أظهرت أن إدراج السودان في تلك القائمة كان مرتبطاً في جزء كبير منه بحسابات سياسية وتقديرات استخبارية لم تكن دقيقة بالكامل.

لقد أدى ذلك التصنيف إلى عزل السودان مالياً ومصرفياً، وحرمانه من الوصول إلى النظام المالي العالمي، وتعطيل فرص التنمية والاستثمار لعقود طويلة، قبل أن يتم رفع اسمه من القائمة في عام 2020م بعد سلسلة طويلة من المفاوضات والتسويات السياسية. وهذه التجربة في حد ذاتها تكشف أن قوائم الإرهاب الأمريكية ليست بالضرورة تعبيراً عن حكم قانوني محايد، بل هي في كثير من الأحيان أداة من أدوات السياسة الخارجية تُستخدم في سياق الضغوط وإدارة المصالح.

ومن هنا فإن استدعاء آلية التصنيف الأمريكية في الصراع السوداني الراهن ينبغي أن يتم بحذر شديد، لأن التاريخ القريب يبيّن أن مثل هذه الأدوات قد تتحول بسهولة من وسيلة لمعاقبة الجناة إلى وسيلة ضغط سياسي قد تطال الدولة نفسها أو شعبها في مراحل لاحقة. ولذلك فإن الحكمة السياسية تقتضي أن يُبنى الخطاب السوداني على أساس المطالبة بالعدالة والمحاسبة وفق القانون الدولي، مع تجنب الوقوع في فخ إعادة إنتاج الآليات ذاتها التي استخدمت في الماضي لفرض عزلة طويلة على السودان.

إن الجرائم التي ارتُكبت في السودان خلال هذه الحرب تستوجب مساءلة قانونية واضحة، ومحاسبة عادلة لكل من تورط فيها. غير أن الطريق إلى العدالة لا ينبغي أن يمر عبر التنازل عن السيادة أو فتح الباب أمام إعادة إنتاج أدوات الضغط التي استخدمت ضد السودان لعقود طويلة.

فالدول التي تحترم نفسها لا تكتفي بوصف المأساة، بل تحسن كذلك إدارة خطابها السياسي والدبلوماسي بما يحفظ كرامتها وسيادتها.
والسودان اليوم، وهو يواجه واحدة من أخطر مراحل تاريخه المعاصر، يحتاج إلى خطاب دبلوماسي بقدر ما هو صادق في إدانة الجريمة، يكون أيضاً حكيماً في حماية الدولة من تعقيدات السياسة الدولية. والسياسة، كما علمتنا تجارب التاريخ، ليست فقط فن قول الحقيقة؛ بل فن قولها بطريقة تحمي الوطن وتصون سيادته.

الخميس 12 مارس 2026م

اترك رد

error: Content is protected !!