
في الثلاثين من يناير ٢٠٢٦، تلقّت أسواق المعادن الثمينة واحدة من أعنف الصدمات السعرية في تاريخها الحديث. الذهب، الذي كان قد لامس قمماً تاريخية قرب ٥٥٩٥ دولاراً للأونصة، خسر في جلسة واحدة نحو ١٠٪ من قيمته، متراجعاً إلى نطاق ٤٨٩٠–٥١٠٠ دولار، بينما انهارت الفضة بنسبة تراوحت بين ٢٥ و٣١٪، هابطة من قمم قرب ١٢٠–١٢١ دولاراً إلى مستويات أدنى من ١٠٠ دولار خلال الساعات الأولى من اليوم التالي
القراءة السطحية للمشهد تُرجع ما جرى إلى “جني أرباح” أو تحولات مؤقتة في السياسة النقدية الأمريكية. غير أن هذا التفسير، رغم وجاهته الجزئية، يخفي ما هو أعمق وأكثر خطورة: نحن أمام تصدع بنيوي في سوق المعادن، لا مجرد تصحيح فني عابر.
ما حدث لم يكن نهاية موجة صعود، بل انفجار ضغط متراكم داخل نظام مالي يعتمد على تسعير ورقي متضخم، منفصل تدريجياً عن الواقع المادي، وفي قلب صراع جيوسياسي متصاعد على الموارد الاستراتيجية.
لماذا انهارت الأسعار بهذا العنف؟
تضافرت عدة عوامل قصيرة الأجل لتشعل شرارة الانهيار:
١. الارتفاع المفاجئ للدولار الأمريكي، ما شكّل ضغطاً مباشراً على الأصول المقومة به.
٢. الإعلان عن تعيين “كيفن وارش” رئيساً للاحتياطي الفيدرالي، وهو ما أعاد للأسواق سيناريو التشدد النقدي وإبطاء دورة التيسير، وعزّز الرهانات على قوة الدولار على حساب الملاذات الآمنة.
٣. تشبع سعري حاد بعد صعود استثنائي في ٢٠٢٥، ارتفع خلاله الذهب بنحو ٦٣٪، والفضة بأكثر من ١٤٠٪.
٤. انكشاف واسع على الرافعة المالية، خاصة في سوق الفضة، حيث تراكمت مراكز ضخمة مبنية على استمرار الصعود.
طمع الرافعه وتسارع الانهيار:
أحد الأسباب الحاسمة لعنف الهبوط تمثل في الاعتماد الواسع على آليات تمكّن المستثمرين من السيطرة على مراكز كبيرة بأموال محدودة، على أساس الاقتراض والمراهنة على استمرار الصعود.
هذه الآليات تضاعف المكاسب في أوقات الارتفاع، لكنها في لحظات الانعكاس تتحول إلى عبء قاتل، إذ يُجبر المستثمرون عند أول هبوط حاد على البيع القسري لتغطية خسائرهم، بصرف النظر عن قناعاتهم أو تقديراتهم.
في سوق مثل الفضة، حيث التقلب أعلى والسيولة أضعف، أدى هذا النمط إلى سلسلة متتابعة من عمليات البيع الإجباري، فزاد الضغط على الأسعار، وتسارع الانهيار بصورة لا تعكس تراجع الطلب الحقيقي بقدر ما تعكس اختناق آلية التسعير نفسها.
ومع ذلك، فإن هذه العوامل، على أهميتها، لا تفسر وحدها حجم العنف السعري، ولا تبرر الفجوة المتزايدة بين السعر المتداول ورقياً والطلب الفعلي على المعدن مادياً.
حرب المعادن: من السوق إلى الجغرافيا السياسية:
لم تعد المعادن الثمينة، وعلى رأسها الفضة، مجرد أدوات تحوط أو مخازن للقيمة، بل تحولت إلى مكوّنات استراتيجية في معادلة الأمن الصناعي والطاقة.
الصين، التي تهيمن على أكثر من ٥٠٪ من استهلاك وتصنيع المعادن عالمياً، بدأت منذ مطلع ٢٠٢٦ في فرض قيود على تصدير الفضة تحت ذرائع بيئية وتنظيمية. غير أن القراءة الجيوسياسية تشير بوضوح إلى توظيف الموارد كأداة ضغط، لا سيما في قطاعات الطاقة الشمسية والسيارات الكهربائية.
في المقابل، صنّفت الولايات المتحدة أكثر من ٦٠ معدناً كمعادن “حرجة” وشرعت في إعادة تشكيل سلاسل الإمداد عبر تحالفات بديلة في أفريقيا وأستراليا، مصحوبة بسياسات حمائية وتهديدات تجارية مباشرة.
هذه القومية المعدنية لا تصنع استقراراً، بل تفرض تقلبات حادة قصيرة الأجل، بينما تدفع الاتجاه الاستراتيجي طويل الأمد نحو الصعود، خصوصاً في حالة الفضة ذات الطابع الصناعي.
الانفصال الكبير بين السوق الورقي والسوق الفعلي:
كشف الانهيار الأخير هشاشة آلية التسعير العالمية. ففي السوق الورقي، حيث تُتداول العقود الآجلة بروافع مرتفعة، يُحدد السعر وفق اعتبارات السيولة والمضاربة.
أما في السوق الفعلي، فالمعادلة مختلفة جذرياً من حيث الشح المتزايد في المعروض، والطلب الصناعي المتصاعد، المشتريات الرسمية من البنوك المركزية، والعلاوات السعرية غير المسبوقة.
في الفضة، بلغ هذا الانفصال مستويات يصعب استمرارها، مع نسب ورقي إلى فعلي تقترب من ٣٧٨ : ١، وعلاوات تجاوزت ٧٠–٨٠٪ في بعض الأسواق الآسيوية وأسواق الشرق الأوسط. لم يعد الأمر تشوهاً مؤقتاً، بل خللاً هيكلياً مرشحاً للانفجار عند أول اختبار حقيقى للثقة.
هل ما حدث نهاية الصعود؟
المعطيات الاستراتيجية تشير إلى العكس، فما شهدناه يبدو أقرب إلى تصحيح عنيف داخل مسار صاعد طويل الأجل، فرضته طبيعة السوق الورقي، لا تراجعاً في الأسس الاقتصادية أو الجيوسياسية.
لا تزال المؤسسات المالية الكبرى، رغم مراجعاتها قصيرة الأجل، تُبقي على رؤى سعرية مرتفعة للذهب بنهاية ٢٠٢٦، بينما تظل الفضة الأكثر حساسية لأي صدمة في سلاسل الإمداد أو تصعيد في حرب المعادن.
خلاصة “الكتلة الحرجة”
ما جرى في ٣٠ يناير ٢٠٢٦ ليس انهياراً بقدر ما هو إنذار مبكر.
إنذار بأن سوق المعادن يقف عند نقطة احتكاك حادة بين اقتصاد ورقي متخم بالديون والرهان وواقع مادي يشهد شحاً متزايداً وصراعاً جيوسياسياً مفتوحاً.
في مثل هذه اللحظات، لا تكون المخاطرة في حركة السعر، بل في آلية التسعير نفسها.
ومن هنا، فإن السؤال الجوهري لم يعد: هل سيصعد الذهب والفضة مرة أخرى؟ بل: متى وكيف سينفجر التناقض بين الوهم الورقي والواقع المعدني؟



