الرواية الأولى

نروي لتعرف

من زاويةٍ أخري / محمد الحاج

النهج الثوري و الـــدولـة السودانية

محمد الحاج


تظل كلمة الثورة واحدة من أكثر المفاهيم التي تثير الأسئلة في الوجدان السوداني، ليس من ناحية التعريف العلمي أو الأكاديمي، بل من ناحية الوصف والبعد الذي تأتي به الثورات، والتي غالباً ما ترتبط بفعل التغيير، سواء كان ذلك التغيير مؤدياً إلى عسكرة الدولة أو فاتحاً الطريق أمام فعل ديمقراطي. ومنذ ثورة 1924 التي شكّلت أول تعبير وطني منظم ضد الاستعمار، مروراً بثورة أكتوبر 1964 التي أطاحت بأول نظام عسكري، ثم انتفاضة أبريل 1985 التي أنهت الحكم العسكري الثاني، وصولاً إلى ثورة ديسمبر 2018 التي أعادت تعريف العلاقة بين الشعب والسلطة، ظل التاريخ السوداني الحديث زاخرًا بمحطات ثورية صنعت تحولات جزئية في منظومة المفاهيم السياسية والاجتماعية والاقتصادية، لكنها لم تبلغ في معظمها مستوى التغيير الجذري الذي يعيد تشكيل الدولة على أسس جديدة. ومن هنا يبرز سؤال ملحّ: هل سيظل السودان أسيراً لثورات سياسية متكررة، أم سنشهد أخيراً ثورة تنمية وثورة صناعة تُخرج البلاد من دائرة الأزمات إلى فضاء البناء؟

وبحسب ما يتفق عليه كثير من المختصين في دراسة التاريخ السياسي السوداني، فإن العامل المشترك الوحيد بين جميع هذه الثورات هو الشعب السوداني نفسه. فهو الفاعل الأول، وهو القوة التي تحرك الأحداث، وهو الذي يدفع ثمن التغيير في كل مرة. غير أن تأخر ولادة الدولة السودانية الحديثة يعود أيضاً إلى أسباب بنيوية عميقة، من أبرزها عدم نضوج القوى السياسية بكل أطرافها، وانتهاجها مبدأ الخصام السياسي بدلاً من التوافق الوطني. فقد أدت هذه النزعة التصادمية إلى إهدار فرص تاريخية كان يمكن أن تُفضي إلى قيام دولة سودانية حديثة، قائمة على مشروع وطني جامع يخدم التنمية ورفاهية المواطن. ولو أن هذه القوى اختارت طريق التوافق بدلاً من الصراع، لكانت مخرجات الثورات مختلفة تماماً، ولكانت البلاد قد وضعت أسس دولة مستقرة منذ عقود.

ويزداد هذا التعقيد حين ننظر إلى بُعد الدولة نفسها في فهم الفعل الثوري. فالدولة السودانية، عبر تاريخها، لم تتعامل مع الثورة بوصفها فرصة لإعادة بناء العقد الاجتماعي، بل تعاملت معها غالباً كحدث طارئ يجب احتوائه أو الالتفاف عليه. هذا الفهم جعل العلاقة بين الدولة والمواطن علاقة متوترة، تقوم على الشك المتبادل أكثر من الثقة، وعلى ردود الأفعال أكثر من التخطيط. فبدلاً من أن تتكيف الدولة مع مطالب الثورة وتعيد صياغة مؤسساتها لتستوعب طاقة التغيير، كانت في كثير من الأحيان تعيد إنتاج ذات البنية القديمة، مما يجعل الفعل الثوري ينتهي إلى دائرة مغلقة من الإحباط الشعبي وإعادة إنتاج السلطة.

إن بناء علاقة صحية بين الدولة والمواطن السوداني يتطلب أن تنظر الدولة إلى الفعل الثوري باعتباره مصدراً للشرعية لا تهديداً لها، وباعتباره لحظة لإعادة تعريف دورها ووظائفها، لا مجرد تغيير في قمة السلطة. فالدولة التي تتكيف مع الثورة هي الدولة التي تعيد بناء مؤسساتها على أساس اتاحة الفرص العادلة و المنافسة النزيهة، وتفتح المجال العام، وتستوعب مطالب الناس في سياساتها، وتحوّل طاقة الغضب الشعبي إلى مشروع وطني جامع. وعندما يحدث هذا التكيف، يصبح المواطن شريكاً في الدولة لا خصماً عليها، وتتحول الثورة من حدث عابر إلى مسار إصلاحي طويل الأمد.

لقد أدى غياب هذا التكيف، إلى جانب عدم نضوج القوى السياسية وانشغالها بصراعاتها الداخلية، إلى تعميق التوترات السياسية والاجتماعية، وإلى إعادة إنتاج الأزمات بدلاً من تجاوزها. فالثورة، حين تُختزل في تغيير السلطة فقط، تفقد معناها التاريخي وتتحول إلى دورة جديدة من الصراع، بينما تظل الدولة نفسها خارج نطاق الإصلاح الحقيقي. وهذا ما جعل التجربة السودانية، رغم غنى تاريخها الثوري الممتد منذ 1924 وحتى اليوم، تدور في حلقات متكررة من التغيير غير المكتمل.

إن فهم النهج الثوري في السودان يتطلب إعادة النظر في الطريقة التي تُدار بها لحظة ما بعد الثورة، وفي كيفية تكيّف الدولة مع مطالب شعبها، وفي قدرة القوى السياسية على تجاوز خصوماتها لصالح مشروع وطني جامع. فالثورة ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة لإعادة بناء الدولة على أسس مؤسسية راسخة، قادرة على إدارة التنوع، وصون الحقوق، وتحقيق التنمية. وما لم يتحول الفعل الثوري من أداة للاستيلاء على السلطة إلى أداة لبناء الدولة، ستظل الثورات السودانية—مهما تعددت تواريخها—تكرر نفسها دون أن تحقق التحول التاريخي الذي يستحقه الشعب السوداني. وهنا يعود السؤال بصيغة أكثر إلحاحاً: هل سنشهد في السودان ثورة تنمية وثورة صناعة تُعيد تشكيل مستقبل البلاد، أم سيظل السودان ساكناً كما هو في المراحل القادمة من عمره؟


١٩ يناير ٢٠٢٦م

اترك رد

error: Content is protected !!