اللجنة الخماسية وبيان اللحظة الفاصلة: بين ضغوط التسوية وتمسّك السودان بشرعيته الوطنية!؟

في توقيت بالغ الحساسية من مسار الحرب في السودان، صدر بيان اللجنة الخماسية – التي تضم أطرافًا إقليمية ودولية مؤثرة – (الامم المتحدة- الاتحاد الفريقي -الجامعة العربية -الاتحاد الأوربي والايقاد) داعيًا إلى وقف التصعيد العسكري، وحماية المدنيين، واستئناف مسار سياسي شامل. ورغم أن البيان جاء بعبارات إنسانية وقانونية مألوفة في أدبيات المجتمع الدولي، فإن دلالته الأعمق تكمن في سياقه السياسي: محاولة إعادة ضبط إيقاع الأزمة، ودفعها نحو تسوية سياسية تحت مظلة توافق دولي–إقليمي متقاطع، لا يخلو من أهداف وتدخل متاخر بأهداف!؟ .
غير أن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هنا هو: كيف يتقاطع هذا الطرح مع سردية الدولة السودانية وتمسّكها بإعادة بناء الشرعية الوطنية من داخل مؤسساتها، واستكمال التحرير بدحر التمرد وداعميه ورعاته، لا عبر صفقات سياسية تكتيكية عابرة أو ترتيبات فوقية؟
أولًا: بيان إنساني… برسائل سياسية
البيان ركّز على ثلاث نقاط رئيسية: وقف التصعيد، حماية المدنيين، والدعوة إلى حوار سوداني–سوداني. وهي عناوين تبدو متوازنة ظاهريًا. لكن القراءة السياسية تشير إلى أن المجتمع الدولي يسعى إلى تثبيت “وقف للنار” يمهّد لمسار تفاوضي جديد، في ظل قناعة متنامية بأن الحسم العسكري الكامل قد يطول أو يعمّق الكلفة الإنسانية، لكننه بحاجة الي تحديد الآليات .
هذا الطرح، وإن كان مفهومًا من زاوية إدارة الأزمات، يصطدم برؤية رسمية سودانية تعتبر أن المعركة الدائرة ليست نزاعًا سياسيًا تقليديًا بين أطراف متكافئة، بل تمردًا مسلحًا على الدولة ومؤسساتها له تبعات إنسانية كارثية . ومن ثمّ، فإن أي تسوية لا تنطلق من استعادة احتكار الدولة للعنف المشروع، قد تُقرأ داخليًا كإعادة تدوير واعادة تموضع للتمرد للأزمة لا حلًا لها.
ثانيًا: تمسّك السودان بشرعية الدولة لا بشرعية التوازن
الخطاب الرسمي السوداني في المرحلة الأخيرة يقوم على ركيزتين واضحتين:
1. استعادة الشرعية الوطنية وسرديتها عبر المؤسسات القائمة، باعتبارها الإطار الدستوري والقانوني الوحيد المعترف به.
2. رفض مساواة الدولة بكيانات مسلحة خارجة عن القانون في أي مسار تفاوضي او مبادرات للحل.
وهنا تبرز نقطة التباين مع بعض المقاربات الدولية التي تميل – بحكم الواقعية السياسية – إلى التعامل مع “الفاعلين على الأرض” بوصفهم أطرافًا يجب إدماجهم في التسوية. غير أن هذه المقاربة، من منظور الدولة، تعني إضفاء شرعية سياسية على القوة المسلحة خارج إطارها النظامي، وهو ما قد ينسف أي مشروع لإعادة بناء الدولة المدنية التي يتطلع إليها السودانيون.طالما ان المزاج الشعبي المساند للدولة قد حدد طرق الحل ومساحات حركته.
ثالثًا: علو السردية الوطنية في مواجهة ضغوط التسوية
السردية السودانية، كما تتبلور في الخطاب الرسمي وقطاعات واسعة من الرأي العام، ترتكز على أن ما يجري هو معركة بقاء الدولة نفسها. ومن ثمّ، فإن الأولوية ليست لتقاسم سلطة، بل لإعادة تأسيس سلطة الدولة أولًا، ثم فتح مسار سياسي شامل بعد تثبيت الأمن والاستقرار.
هذا الترتيب يختلف جذريًا عن الطروحات التي تدفع نحو “تسوية متزامنة” بين الأمن والسياسة. ففي التجارب المقارنة – من ليبيا إلى بعض دول الساحل – أثبتت التسويات التي سبقت إعادة بناء مؤسسات الأمن أنها أنتجت دولًا هشة، تتنازعها مراكز قوة موازية.
ومن هنا، فإن تمسّك السودان بإعادة الشرعية الوطنية ليس مجرد موقف تفاوضي، بل هو تصور استراتيجي لمستقبل الدولة: دولة مدنية محروسة بالقانون، لا دولة محاصصة تحكمها توازنات السلاح وأجندات الخارج وتقاطعاتها.
رابعًا: ما الذي يريده المجتمع الدولي؟ وما الذي يريده السودان؟
المجتمع الدولي يريد وقفًا عاجلًا للنار يخفف الكارثة الإنسانية ويمنع امتداد عدم الاستقرار إقليميًا.
أما السودان – وفق سرديته الرسمية – فيريد إنهاء التمرد وإعادة بسط سلطة الدولة أولًا، ثم الشروع في عملية سياسية داخلية خالصة.
التحدي يكمن في كيفية المواءمة بين هذين المسارين دون التضحية بأحدهما. فالسودان لا يرفض الحوار من حيث المبدأ، لكنه يرفض أن يكون الحوار على حساب شرعية الدولة أو مكافأة لمن حمل السلاح خارجها، وكلف البلاد وشعبها هذه الأوضاع الكارثية وصنوف المعاناة والدمار.
خامسًا: بين الضغط الخارجي وإعادة إنتاج الداخل
بيان اللجنة الخماسية يحمل رسالة ضغط ناعم، مفادها أن العالم لن يقف متفرجًا على استمرار الحرب. لكنه في الوقت ذاته يعيد التأكيد – ولو ضمنيًا – على وحدة السودان وسيادته. وهذه النقطة تمثل مساحة التقاء يمكن البناء عليها، إذا ما احترمت أي مبادرة قادمة مبدأ أن الحل النهائي يجب أن ينبع من الإرادة الوطنية وخيارات الداخل ، لا من هندسة خارجية للمشهد السياسي والاتفاق على نحوج ما تلح به بعض الأطراف تحت مظلة ما يسمى (الرباعية).. بل لا يستبعد ان يكون البيان تمهيدا لجلسة مجلس الامن في ١٩ فبراير الجاري نح الرئاسة البريطانية وهي (حامل القلم ).
خاتمة: الشرعية أولًا… ثم السياسة
في المحصلة، لا يمكن قراءة بيان اللجنة الخماسية بمعزل عن التطورات الجارية في المنطقة، ولحظة مفصلية تعيشها الدولة السودانية. فبين دعوات التسوية السريعة وتمسّك الخرطوم بإعادة بناء الشرعية الوطنية، تتشكل معادلة دقيقة: إما تسوية تُبقي جذور الأزمة حيّة، أو مسار يُعيد تعريف الدولة على أسس احتكار القوة وسيادة القانون، ثم يفتح الباب لعملية سياسية شاملة ومستدامة.
إن علو السردية الوطنية في هذا التوقيت واستمرار تمسك القيادة السودانية بمواقفها المعلنة، لا يعني الانغلاق على العالم، بل يعني ترتيب الأولويات: لا سياسة بلا دولة، ولا شرعية بلا سيادة، ولا سلام مستدام دون استعادة مركز الدولة وهيبتها.
وهنا يكمن جوهر الموقف السوداني كما يتبدّى اليوم: السلام هدف، لكن الدولة شرطه الأول.
والايام ستكشف علو كعب الدولة على التمرد مهما تعاظمت الكلفة ازدادت التحديات.
—————
١٤ فبراير ٢٠٢٦ م


