الرواية الأولى

نروي لتعرف

من اعماقي / د. امجد عمر

العيد بين الامس واليوم

د. امجد عمر محمد



لم يكن العيد في الماضي مجرد مناسبة عابرة تتكرر كل عام، بل كان حالة اجتماعية متكاملة تنبض بالحياة وتفيض بالمعاني الانسانية العميقة. كان العيد يبدأ قبل حلوله بأيام، حيث تنشغل البيوت بالاستعداد، وتعلو وجوه الناس ملامح الترقب والفرح، وكأنهم على موعد مع حدث استثنائي يعيد ترتيب العلاقات ويجدد الروابط بين الناس.
في صباح العيد، كان المشهد يحمل دلالات خاصة، حيث يتجه الجميع الى المصليات والميادين، تتعالى اصوات التكبير، وتتلاقى الخطى في الطرقات، في مشهد جماعي يعكس وحدة المجتمع وتماسكه. لم تكن الصلاة مجرد شعيرة تؤدى، بل كانت نقطة التقاء انسانية، تبدأ بعدها طقوس التهاني الصادقة التي تنبع من القلوب قبل الالسنة. كان الناس يتوقفون طويلا، يتبادلون الدعوات، ويتفقدون احوال بعضهم البعض، في لحظات تختصر معاني القرب والالفة.
ولم يكن العيد يكتمل دون تلك الجولات الجماعية التي يجوب فيها الناس بيوت الحي، يطرقون الابواب لا لاداء واجب اجتماعي فحسب، بل للاطمئنان الحقيقي على كبار السن والمرضى والعاجزين عن الخروج. كانت تلك الزيارات تحمل في طياتها بعدا انسانيا عميقا، حيث يتعرف الناس على احتياجات بعضهم البعض، ويضعون في اعتبارهم ما يمكن تقديمه من دعم لاحق. كان العيد مناسبة للتكافل قبل ان يكون مناسبة للفرح، ووسيلة لترميم ما قد تآكل من العلاقات خلال العام.
اما اليوم، فقد تبدلت الصورة الى حد بعيد. لم يعد العيد ذلك الحدث الذي يعاد فيه اكتشاف المجتمع، بل تحول في كثير من الاحيان الى طقس سريع يمر مرور الكرام. اختصرت المسافات عبر شاشات الهواتف، وتحولت التهاني الى رسائل نصية متشابهة، او مكالمات مقتضبة لا تتجاوز دقائق معدودة. لم يعد السؤال عن الحال يتجاوز حدود المجاملة، ولم تعد الاجابة تحمل عمقا يكشف حقيقة الاوضاع.
التكنولوجيا التي قربت المسافات جغرافيا، اسهمت في احيان كثيرة في توسيع المسافات الانسانية. فبدلا من اللقاء المباشر الذي يتيح قراءة الوجوه واستشعار المشاعر، اصبحت التهاني تمر عبر وسيط بارد، يفقدها كثيرا من دفئها ومصداقيتها. لم يعد هناك ذلك التوقف الطويل عند ابواب المنازل، ولا تلك الجلسات التي كانت تفتح ابواب الحديث حول هموم الناس واحتياجاتهم.
مع هذا التحول، تراجعت قيمة العيد كمنصة للتكافل الاجتماعي. فحين تغيب المعرفة الحقيقية باحوال الاخرين، يصبح من الصعب مد يد العون في الوقت المناسب. وحين تتحول العلاقات الى مجاملات شكلية، تفقد قدرتها على الصمود في مواجهة التحديات. وهنا يكمن الفرق الجوهري بين عيد الامس وعيد اليوم؛ فالاول كان يؤسس لعلاقات حقيقية، بينما يكتفي الثاني في كثير من الاحيان بالحفاظ على مظاهر تلك العلاقات.
ان العيد يظل مناسبة قادرة على اعادة بناء ما تهدم، اذا ما احسن الناس استثماره. وبين الماضي والحاضر مساحة يمكن ان تستعاد فيها الالفة، اذا ما ادركنا ان العلاقات لا تقاس بعدد الرسائل، بل بعمق التواصل، ولا بطول المكالمات، بل بصدق المشاعر.
وفي ظل هذا المشهد، تمضي كثير من الاعياد اليوم بلا اثر اجتماعي يذكر، مجرد تبادل سريع للتهاني يخلو من روح التواصل الحقيقي. ومع ذلك، يبقى الامل قائما في ان يستعيد العيد مكانته، وان يعود حاملا معه ما افتقدناه من دفء ومودة.
كل عام والجميع بخير، ونمني ان يعود العيد وقد استعادت البلاد عافيتها، تنعم بالخير والامان والازدهار، وتعود للقلوب طمأنينتها، وللمجتمع الفته التي كانت تصنع من العيد معنى يتجاوز كونه مناسبة دينه الى كونه حياة.

اترك رد

error: Content is protected !!