الرواية الأولى

نروي لتعرف

من زاويةٍ أخري / محمد الحاج

السودان وقلب هرم الموازنات الجيوسياسية في المنطقة.

محمد الحاج


لم يعد السودان اليوم دولة تبحث عن موطئ قدم في محيطها، بل أصبح ـ رغم الحرب ورغم كل محاولات تفكيكه ـ مركزًا يعاد حوله ترتيب خرائط النفوذ في المنطقة بأكملها. فالمعركة التي خيضت على أرضه لم تكن مجرد صراع داخلي، بل كانت اختبارًا حقيقيًا لإرادة دولة أراد البعض أن تُكسر، فإذا بها تتحول إلى عقدة ميزان إقليمي لا يمكن تجاوزه. القوى التي راهنت على سقوط السودان فوجئت بأن الخرطوم، رغم الجراح، ما زالت قادرة على قلب الطاولة، وأن مشروع إخضاعها لم يكن سوى وهم اصطدم بصلابة شعبها ومتانة مؤسساتها.

وما سُمّي بـ«معركة الكرامة» لم يكن توصيفًا للقتال بقدر ما كان تعبيرًا عن المعركة الحقيقية التي يخوضها السودان: معركة استعادة سيادة الدولة وقرارها الوطني. فالمقصود لم يكن تمجيد الحرب، بل التأكيد على أن السودان يواجه مشروعًا يستهدف وجوده ذاته، وأن الدفاع عن الدولة ليس خيارًا سياسيًا بل واجبًا وطنيًا. ومع مرور الوقت، تكشفت خيوط هذا المشروع، وبدأت المنطقة العربية تدرك أن ما أصاب السودان لم يكن حدثًا معزولًا، بل جزءًا من محاولة أوسع لإعادة تشكيل الإقليم عبر خلق بؤر صراع داخلية تُضعف الدول وتستنزف قدراتها.

وفي هذا السياق، جاءت الخطوة التي أقدم عليها الفريق أول عبد الفتاح البرهان، باجتماعه مع رئيس مجلس الوزراء داخل الخرطوم،بالأمس ٢١ يناير ٢٠٢٦م في مقر رئاسة الحكومة لتشكل لحظة سياسية ذات دلالة عميقة. فالاجتماع من قلب العاصمة ليس مجرد نشاط بروتوكولي، بل إعلان صريح بأن الدولة السودانية استعادت مركزها الطبيعي، وأن مؤسساتها قادرة على العمل من داخل أرضها، لا من المنافي أو العواصم الأجنبية. إنها رسالة مباشرة لكل من ظن أن الدولة انتهت: السودان يعود ليمسك بزمام قراره، والسلطة السياسية والمدنية تعود تدريجيًا إلى موقعها الشرعي في الخرطوم.

الأثر المتوقع لهذه الخطوة لن يكون محدودًا داخل السودان فحسب، بل سيمتد إلى كل المشاريع التي استهدفت الدولة السودانية، سواء تلك التي كانت تُدار داخليًا بدعم خارجي، أو تلك التي صُممت خارجيًا واعتمدت على أدوات داخلية لتنفيذ أجنداتها. فعودة الدولة إلى الخرطوم تعني أن هذه المشاريع فقدت مبررها، وفقدت أدواتها، وفقدت قدرتها على التأثير. كما تعني أن السودان يعلن انتهاء مرحلة الفراغ السياسي، وبداية مرحلة جديدة عنوانها استعادة السيادة وترسيخ القرار الوطني المستقل.

ومع هذا التحول، يبدو أن أوان التغيير الحقيقي في المنظومة السودانية قد حان. فاستعادة الدولة لسيادتها لا تكتمل إلا باستعادة كرامة المواطن السوداني في وطنه، وفتح الباب أمامه ليكون شريكًا في بناء الاستقرار والتنمية. فالمعركة ليست فقط معركة مؤسسات، بل معركة إنسان يبحث عن مكانه الطبيعي في دولة عادلة، قوية، وفاعلة. ومن هنا، يصبح الإصلاح السياسي والإداري والاقتصادي ضرورة لا يمكن تأجيلها، لأن مستقبل السودان لن يُبنى إلا على منظومة جديدة تُعيد الاعتبار للمواطن وتمنحه فرصة المشاركة في صناعة الغد.

السودان اليوم لا يقف على هامش الإقليم، بل في قلب هرم الموازنات الجيوسياسية. دولة قاومت الانهيار، ورفضت الإخضاع، وتستعيد الآن موقعها بقرارها، لا بقرار غيرها. وما يجري في الخرطوم ليس مجرد حدث سياسي، بل إعلان عن ميلاد مرحلة جديدة، عنوانها أن السودان دولة تُحسب لها الحسابات، لا دولة تُفرض عليها المعادلات. لقد قدّم السودان نموذجًا جديدًا في المنطقة العربية والأفريقية: نموذج الدولة التي تُقاتل من أجل سيادتها، وتعود إلى مركزها، وتفرض قرارها رغم كل الضغوط.

إن السودان، بما قدمه في معركة السيادة، يرسخ نفسه كمثال يُحتذى به في المنطقة، ويؤكد أن الدول التي تملك إرادة شعبها لا تُهزم، وأن المواطن الذي تُعاد إليه كرامته يصبح حجر الأساس في بناء دولة مستقرة وقادرة على تحقيق التنمية.


٢٢ يناير ٢٠٢٦م

اترك رد

error: Content is protected !!