السودان وحرب العام الثالث:حين تُغذّي الأموال التمرد، وتُدار المأساة بواجهات إنسانية!؟

مع اقتراب الحرب المركبة التي شنتها مليشيا الدعم السريع بدعم دولي وإقليمي متعدد الأوجه على السودان في أبريل ٢٠٢٣ ، وهي تقترب الان من إكمال عامها الثالث. لم يعد السؤال المطروح هو: لماذا اندلعت الحرب ومن أشعلها؟ بل: لماذا تستمر؟ ومن يملك مصلحة في إطالة أمدها رغم آثارها الكارثية؟
الإجابة، مهما تعددت زوايا النظر، تقود إلى حقيقة واحدة يصعب القفز فوقها:
هذه الحرب ما كانت لتبلغ هذا المدى من الاستنزاف والتدمير والانتهاكات الإنسانية الصارخة لولا التمويل الخارجي المنهجي الذي أبقى التمرد حيًّا، ومكّنه من شراء المرتزقة، والأسلحة الثقيلة، والطائرات المسيّرة، عبر شبكة دعم إقليمي ونفوذ مادي تتصدرها دولة الإمارات، وتُغذّيها أطراف فاعلة في الجوار السوداني وقوى دولية في سياق صراع الارادات والأهداف المتعارضة في المنطقة.
أولًا: حرب بلا اقتصاد داخلي… لكنها بلا نهاية
التمرد في السودان لا يمتلك مقومات الاستدامة الذاتية.
لا تاريخه القريب، ولا قاعدة إنتاج، ولا شرعية سياسية، ولا حاضنة اجتماعية واسعة، ولا اقتصاد حرب وطني.
ومع ذلك، ظل قادرًا على:
• تعويض خسائره البشرية،
• استقدام مرتزقة من الإقليم وخارجه،
• تشغيل منظومات تسليح متقدمة،
• وتوسيع رقعة الدمار.
هذا التناقض لا يُفسَّر إلا بوجود شريان مالي خارجي مفتوح، لا تحكمه ضوابط، ولا تُقابله مساءلة دولية حقيقية، ولا تحاصره التقارير الحقوقية الدولية وكبريات مؤسسات الإعلام.
ثانيًا: الإمارات… من وسيط مُعلن إلى فاعل غير محايد
في قلب هذا المشهد، يبرز الدور الإماراتي بوصفه أكثر من مجرد دعم سياسي أو إنساني.
فالوقائع المتراكمة، والتقارير الصحفية والاستخبارية، ومسارات الإمداد، تشير إلى تورط مباشر أو غير مباشر في تمويل التمرد وتسليحه، في حرب بالوكالة مكتملة الأركان ، بالتوازي مع محاولة تقديم نفسها دوليًا كفاعل إنساني ووسيط سلام، ويدها في كل خيوط هذه الجريمة بحق السودان وشعبه.
هذه الازدواجية ليست خطأ في التقدير، بل استراتيجية محسوبة:
• دعم عسكري غير معلن،
• غطاء إنساني ودبلوماسي مُعلن،
• ومسعى لإعادة هندسة الدور في السودان بعد أن أصبح مكشوفًا.
. ونكران مستميت لكل التخطيط والفعال الشنيعة والنكراء .
ثالثًا: تسييس الإنساني… حين تتحول الإغاثة إلى أداة نفوذ
في العام الثالث للحرب، تزايدت المبادرات والمؤتمرات الإنسانية التي تُعقد خارج أي إطار سيادي سوداني واضح، او بتنسيق مع القيادة السودانية ، وبوتيرة تُثير التساؤل أكثر مما تُطمئن. كيف يكون طرف هو الراعي للحرب إنساني ويسعى لخدمة ضحاياه!؟
التحذير الذي أطلقه الباحث الأمريكي كاميرون هيدسون من أن بعض هذه التحركات تمثل محاولة لإعادة هندسة الدور الإماراتي في سياق الحرب، يضع الإصبع على الجرح:
الإنساني لم يعد محايدًا، بل أصبح أداة ناعمة لإعادة التموضع السياسي، وتخفيف الضغوط، وتبييض الأدوار كما واقع التمرد في الفاشر .
وهنا تكمن الخطورة:
• الإغاثة تُفصل عن جذور الحرب،
• المسؤوليات تُميّع،
• والمليشيا المتمردة تُقدَّم كطرف في أزمة إنسانية لا كفاعل عسكري انقلابي.
. استرجاع السردية التي خطى السودان وتجاوزها
رابعًا: إعادة صياغة السردية… أخطر من السلاح
أخطر ما تواجهه الدولة السودانية اليوم ليس فقط السلاح، بل السردية.
هناك مسعى واضح لتحويل الحرب من:
• صراع على الدولة والسيادة،
إلى:
• “كارثة إنسانية بلا فاعل”،
• و”نزاع داخلي متكافئ”،
• و”فشل دولة يستدعي الوصاية”.
هذه السردية تخدم:
• ممولي الحرب،
• تجار الأزمات،
• ومشاريع الوصاية والهيمنة الإقليمية.
وتُمهّد لتسويات تُكافئ من أشعل الحرب، وتُضعف فكرة الدولة نفسها، إذا افسح الطريق أمامها.
خامسًا: لماذا يُستهدف السودان؟
لأن السودان، إذا استعاد عافيته كدولة:
• بجيش وطني موحد،
• وقرار سيادي مستقل،
• وموقع جيوسياسي فاعل،
. واسترجع مؤسساته التي خطفت،
سيُربك حسابات:
• السيطرة على الموانئ والممرات،
• توظيف المليشيات كوكلاء،
• وإعادة تشكيل الإقليم عبر الفوضى المُدارة.
لذلك، تُفضَّل دولة منهكة، تُدار أزماتها من الخارج، وتُربط مساعداتها بشروط سياسية وأمنية، بل وسعى للسيطرة الاقليمية والدولية .
سادسًا: كيف يجب أن تعبر الدولة السودانية؟
العبور لا يكون بردود فعل، بل بمشروع دولة واضح لا ركون ضحية، يقوم على:
1. فضح العلاقة بين تمويل الحرب وتسييس الإغاثة بخطاب قانوني ودبلوماسي وإعلامي موثّق.
2. رفض أي مسار إنساني يُستخدم لشرعنة التمرد أو إعادة تدويره سياسيًا.
3. نقل المعركة إلى ساحة السردية الدولية: بمواجهة في الإعلام، مراكز التفكير، والمنتديات الأممية.
4. تدويل مسؤولية ممولي الحرب، لا الاكتفاء بتدويل المأساة.
5. تعزيز الجبهة الداخلية سياسيًا ومدنيًا بوصفها خط الدفاع الأول عن السيادة.
6. توسيع دائرة التحالفات الاقليمية والدولية لا الارتهان الي محور واحد .
الخلاصة
ما يجري في السودان ليس حربًا عمياء ولا انفجارًا فوضويًا بلا بوصلة، بل صراع مُدار بعقول متعددة، وموارد مالية مفتوحة، وأجندات تعمل في الظل تحت لافتات شتى. وعندما يُفصل الإنساني عن السياسي، يتحول من قيمة أخلاقية سامية إلى أداة ضغط وابتزاز، تُستخدم لإعادة هندسة الصراع لا لإنهائه. من هنا، فإن إدارة هذه الحرب لا يمكن أن تُترك لردود الفعل أو حسن النوايا، بل تتطلب وعيًا سياديًا استثنائيًا يعيد تعريف الأولويات ويضبط مسارات التدخل.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في إطالة أمد الحرب، بل في المسعى الهادئ لإعادة تعريف السودان نفسه خارج فكرة الدولة، وتحويله إلى ساحة مفتوحة تُدار بالوكالة وتُستنزف بلا أفق. وهذه، في جوهرها، معركة وعي جمعي قبل أن تكون مواجهة دبلوماسية أو عسكرية. ولن ينجو السودان إلا إذا انتقل من موقع الرفض السلبي للتدخلات إلى إدارتها بذكاء، ومن سياسة المهادنة إلى كشف الأجندات، ومن توظيف الإنساني كبديل للسيادة إلى إعادته إلى موقعه الطبيعي: خادمًا للدولة، وحليفًا لاستقرارها، لا مدخلًا لتفكيكها.
—————
٣٠ يناير ٢٠٢٦م



