
يمر السودان اليوم في واحدة من أكثر مراحل الأزمات والحروب تعقيدًا منذ عقود بل الأشرس على مستوى الاقليم، حيث امتدت الحرب المفروضة عليه من قبل قوات الدعم السريع المتمردة وداعميها الكثر من عامين ونصف منذ أبريل ٢٠٢٣، مخلفة أزمة إنسانية كبيرة وتراجعًا حادًا في فرص السلم والاستقرار والتنمية.
في هذا السياق، يبرز جدل حقيقي حول مفهوم السلام: هل هو توقيع اتفاق سريع لوقف القتال عبر هدنة او وقف لإطلاق النار بأسس هشة، فقط دون ترتيبات كاملة تعلي من غاية السلام، أم عملية شاملة ومستدامة تعالج جذور الأزمة؟ إن فهم هذا التباين ليس رفاهية فكرية، بل ضرورة عملية لإنقاذ السودان من كارثة أكبر من واقع التبعات التي خلفتها الحرب الممتدة. وياتي هذا المقال بين يدي مقال السفير. د. الدرديري محمد احمد (كيف نُنهي حربنا على نحو منصف في عالم بلا قواعد؟)، ومقال بروفسور بكري موسى عبد الكريم ” وهم السلام السريع ونهاية التمرد في السودان”. وددت هنا أن أتشارك معهما المقاربة والمخاوف التي ضمنها السرد والتحليل الذي أورداه في مقاليهما، لاجل المزيد من إثراء الحوار والخلاصات، وصولا الي الغاية المنشودة في تحقيق السلام والامن والاستقرار المستدام بالبلاد.
السلام ليس مجرد إعلان
لقد أثبتت التجارب الحديثة أن التسويات السريعة غالبًا ما تكون هشة وغير دائمة، فهي قد تؤدي فقط إلى وقف مؤقت لإطلاق النار دون معالجة العوامل التي تسببت في النزاع.
في السودان، ومن واقع التجارب التي خاضتها البلاد. تتجلى هذه المخاوف في مواقف القوى السياسية التي ترى أن أي حل سريع قد يتجاهل مشاركة جماعات فاعلة في النزاع أو قضايا توزيع السلطة والثروة والموارد والعدالة الانتقالية، والتي تشكل العمود الفقري لأي نظام سياسي مستقر. ومن هنا يكمن الحرص على الأخذ بافضل السبل والخيارات، من قبيل الكلفة الباهظة التي ترتبت وما قدمه الشعب السوداني من فقد وجراح وتضحيات جسام.
الواقع السوداني: ما بين القوة والسياسة
النزاع السوداني القائم ليس مجرد مواجهات عسكرية بين جيشين، بل هي حرب ضروس وصراع متعدد الأبعاد والأهداف يشمل:
• حرب مركبة من خارج الحدود بشركاء متعددين.
• تغول البعض بمبادارتهم القاصرة لاختطاف الحل على الواقع الذي كرسته.
• تباينات عميقة في المواقع السياسية والمصالح العسكرية بين الأطراف.
• ضعف مؤسسات الدولة المركزية في إدارة الأزمة.
• تراجع كبير في الخدمات الأساسية مثل التعليم والصحة والزراعة والصناعة.
• أزمة إنسانية متصاعدة مع نزوح ولجوء ملايين المدنيين.
إن السلام الحقيقي يبدأ بإرادة وطنية جامعة في حدها الادنى من المشتركات الوطنية التي لا تقبل المزايدة ، أي حل يولد توافقًا داخليًا ويعيد تأسيس النظام السياسي والاجتماعي بمقاربة قومية و بطريقة تلبي تطلعات غالب مكونات المجتمع، وليس فرض حلول من الخارج او الاعتماد الكلي على المشروع الأجنبي ستكون الخيار الأكثر قبولا وتحقيقا في الواقع المعاش، تسنده وتحرسه ارادة الداخل وإحياء مكامن القوة في بلادنا على ما اعتراضها من ضعف.
الجهود الدولية… هل تكفي؟
يشهد السودان مساعٍ دولية متعددة لإيقاف الحرب، من أطراف إقليمية ودولية ومن دول الجوار تحديدا بأجندات وإرادات متعارضة، أبرزها تحركات ما يسمى بالآلية الرباعية الثانية (الولايات المتحدة، السعودية، مصر، الإمارات) وانتظار لمبادرة سعودية أمريكية ما تزال طي الكتمان.
لكن التجارب السابقة أظهرت أن الجهود الخارجية وحدها لا تُحدث اختراقًا حقيقيًا ما لم تصاحبها إرادة وطنية واضحة للتسوية السياسية، مع احترام سيادة السودان وقراره وخياره الوطني الداخلي . لا مجرد دعاوى جوفاء لوقف الحرب ورعاتها هم أساس الحرب ومنصاتها.
الفرق بين السلام السريع والسلام الحقيقي
السلام السريع:
• يركز على وقف القتال فورًا.
• غالبًا ما يتجاهل القضايا البنيوية مثل العدالة الانتقالية وتوزيع السلطة ومستقبل الحكم والانتقال.
• هش ويصعب استدامته.
السلام الحقيقي:
• يعتمد على حوار شامل يضم جميع الأطراف يبتغي التنازلات لأجل الوطن.
• يعالج جذور النزاع ويعيد بناء مؤسسات الدولة في تراض وطني .
• يحقق مشاركة مجتمعية واسعة ويعالج التفاوتات الاقتصادية والاجتماعية.
• يبني نظامًا سياسيًا مستدامًا قائمًا على التوافق الداخلي ودروس الحرب.
دور العدالة والمصالحة
لا يمكن تصور سلام دائم دون العدالة والمساءلة والمحاسبة الوطنية ، إضافة إلى تأسيس آليات مصالحة وطنية تعيد بناء الثقة بين مكونات الشعب وتخاطب جوهر الحقيقة والتسامح.
تجاهل العدالة يؤدي غالبًا إلى تكرار النزاع أو ظهور أشكال جديدة من العنف، لذلك فإن دمج العدالة والمصالحة في أي عملية سلام يعزز فرص استدامتها ويحولها إلى مشروع وطني حقيقي، يستفيد من تجارب الشعوب من حولنا.
الاستراتيجية الوطنية السودانية كحل
أبرز العقبات هي اختلاف المواقف السياسية المصطنعة، وضعف الإرادة الوطنية الموحدة والقيادة الملهمة لذلك. الحل يكمن في توافق وطني واقعي يشمل:
• وقف دائم لإطلاق النار بإرادة متبادلة واليات من صنع الداخل لا بضغوط الخارج.
• حوار سياسي شامل لا يستثني أحدا إلا ما يرتبه الدستور والقانون يغطي كل أطياف المجتمع.
• إصلاح مؤسسات الدولة لضمان حكم رشيد وشامل وشفافية في التداول .
• آليات عدالة انتقالية ومصالحة فعالة لإذابة الكراهية وبناء الثقة.
• التزام دولي محترم لوحدة وسيادة السودان دون تدخلات خارجية ضاغطة او تفكيك للمؤسسات القائمة خاصة الجيش الوطني.
خاتمة: نحو سلام حقيقي ومستدام
السودان يقف اليوم عند مفترق طرق: إما قبول سلام سريع هش تهرول لأجله أرجل وأيادي ماكرة تبتغي الابقاء على حالة الفوضى ، أو الاستثمار في بناء سلام حقيقي مستدام يلامس الأسباب الجوهرية للنزاع ويؤسس لمرحلة جديدة من الحكم والمشاركة الوطنية الفاعلة تتجاوز الإقصاء والتهميش، وتعزز فرص التراضي القومي والقفز على المرارات الكبيرة.
السلام الحقيقي ليس مجرد توقيع اتفاق، بل نظام سياسي واجتماعي يستند إلى التوافق الوطني، العدالة، والمصالحة، ويعبر عن إرادة الشعب السوداني في بناء وطن مستقر وآمن. أي خطوة نحو هذا النوع من السلام هي تحويل الوهم إلى واقع، والصراع إلى فرصة لإعادة البناء والتقدم. وعليه لابد من تكامل الأدوار الوطنية والتقاء حلقاتها في مقاربة جامعة لا تستعجل السلام بالضغوط ، ولا تؤخر انجازه بواقعنا الذي ترتب من أضرار ودمار ، يبتغي العزة والكرامة في كل، ويسقط المشروعات الاجنبية المحضة لكنه منفتح على على الاقليم والعالم بما يحقق الغايات الوطنية ويكتب السلام الحقيقي بارادة أهله وبدعم إقليمي ودولي جهير يعلي من غاية الاستقرار والامن، ويرمي الي استقرار المنطقة والاقليم بكامله.
———-////——
٢٦ يناير ٢٠٢٦ م



