
لم يكن الصراع في السودان يوما حدثا عابرا أو وليد لحظة طارئة، بل هو امتداد لتاريخ طويل من التدخلات الخارجية التي غذت الانقسامات الداخلية وأجادت استثمار خلافاتنا الصغيرة لتحويلها إلى أزمات كبرى. فمنذ عقود ظل السودان ساحة مفتوحة لتجارب الآخرين، تؤجج فيه الفتن تارة بالعنصرية وأخرى بالحزبية الضيقة وثالثة بالطائفية الدينية، بينما تحرك تلك الخيوط أيد خارجية تعرف جيدا كيف تضرب المجتمعات من داخلها.
تسللت المصالح الاستعمارية والاقليمية عبر اذرع محلية فتغلغلت في بعض الاحزاب والتيارات حتى اصبحت قرارات كثيرة لا تصنع من اجل السودان بل من اجل من يدعم ويمول ويضغط. وهكذا تعمقت الخلافات وتقاطعت الاجندات وضاعت البوصلة الوطنية وتحول المشهد السياسي الى ساحة صراع مصالح اكثر منه ساحة بناء وطن.
وفي هذا السياق جاءت حرب الخامس من ابريل كاحدث حلقات هذا التدخل، محاولة جديدة لفرض واقع يصنعه الخارج دون اعتبار لارادة السودانيين او همومهم اليومية. لم تكن حربا من اجل الديمقراطية كما زعم البعض ولا من اجل العدالة كما روج اخرون، بل كانت محاولة مكشوفة لتفكيك الدولة نفسها وكسر مؤسساتها وفتح الباب واسعا امام مشروع فوضى يعيد تشكيل السودان وفق ما يخدم مصالح الآخرين.
كان الهدف الرئيسي واضحا، تحطيم المؤسسة العسكرية بوصفها الحارس الاخير لكيان الدولة. فالجيش في السودان لم يكن مجرد قوة نظامية، بل كان عبر التاريخ صمام امان ووحدة جامعة وملاذا اخيرا حين تتكاثر الازمات. لذلك كان استهدافه شرطا اساسيا لنجاح اي مشروع لتفكيك البلاد.
اندفعت المليشيات في مسارها الاجرامي فمارست التهجير والترويع ونهبت البيوت وانتهكت الحرمات وقتلت الابرياء واعتقلت وعذبت واغتصبت غير عابئة بقانون او قيم او اعراف. كان مشهدا يكشف بوضوح ان القضية لم تعد خلافا سياسيا بل صراعا بين الدولة واللادولة، بين النظام والفوضى، بين وطن يريد الحياة ومشروع لا يعيش الا على الخراب.
عند هذه اللحظة الفاصلة سقطت كل التصنيفات القديمة. لم يعد الناس يسألون من انت، اسلامي ام علماني، حزبي ام مستقل، شمالي ام غربي، بل اصبح السؤال الوحيد مع من تقف. مع السودان ام ضده.
هنا تلاشت الايديولوجيات والحياد وتقدمت غريزة البقاء الوطني. اصطف المواطن البسيط الى جوار الجندي ووقف المدني سندا للعسكري وذابت المسافات بين المؤسسة والشعب، لان العلاقة بينهما لم تكن يوما علاقة سلطة ورعية بل علاقة تاريخ ومصير مشترك. اصبح كل بيت خندقا وكل شارع نقطة مقاومة وكل قلب نابضا باسم الوطن.
ومن الظلم الفكري والسياسي اختزال كل داعمي الجيش في تيار بعينه. ففي صفوفهم الاسلامي والليبرالي واليساري والصوفي والمستقل ومن لا يعرف من السياسة شيئا اصلا لكنه يعرف ان سقوط الدولة يعني ضياع اسرته ومستقبله. هؤلاء لم تدفعهم ايديولوجيا بل دفعتهم فطرة الانتماء والخوف على وطنهم. لذلك فان معركة اليوم ليست معركة افكار بل معركة وجود.
لقد حاول البعض اعادة انتاج الاستقطاب القديم لزرع الشكوك بين الناس وتصنيف الوطنيين وبث الفتن بين داعمي معركة الكرامة، لكن الواقع كان اكبر من كل هذه الحيل. فحين يتهدد الخطر البيت نفسه لا مكان للخلافات الصغيرة، وحين يصبح الوطن على حافة الضياع تتقدم الوحدة على كل شيء.
اليوم نقف امام حقيقة بسيطة وواضحة، لا شيء يعلو فوق بقاء السودان. لا حزب ولا جماعة ولا ايديولوجيا ولا مصلحة ضيقة.وليس هناك مساحة للمناطق الرمادية والحياد ، فالدولة ان سقطت سقط الجميع وان بقيت اتسع المجال لكل اختلاف مشروع تحت سقف آمن. اما الفوضى فلا تترك لاحد وطنا يختلف عليه.
لهذا فان دعم القوات المسلحة في هذه اللحظة ليس موقفا سياسيا بقدر ما هو موقف اخلاقي ووطني، دفاع عن حق شعب في ان يعيش في دولة لا في غابة، وفي وطن لا في ساحة مرتزقة. وكل محاولة لشق الصف او زرع الشك بين ابناء الوطن انما تخدم بقصد او بغير قصد اعداء السودان.
هنا نتذكر كلمات الشاعر الراحل محمد عثمان عبدالرحيم أنا سوداني أنا
كل اجزائه لنا وطن اذ نباهي به نفتتن
نتغنى بحسنه ابدا دونه لا يروقنا حسن
حيث كنا حدت بنا ذكر ملؤها الشوق كلنا فدها
نتملى جماله لنرى هل لترفيه عيشه ثمن
خير هذي الدماء نبذلها كالفدائي حين يمتحن
بسخاء بجرأة بقوى لا يني جهدها ولا تهن
تستهين الخطوب عن جلد تلك تنهال وهي تتزن
هكذا كان هذا الشعب دائما، كلما اشتدت عليه العواصف ازداد تماسكا، وكلما تكاثرت الخطوب ازداد تشبثا بارضه وجيشه ووطنه، لانه ببساطة يعرف ان السودان لا يهزم ما دام ابناؤه قلبا واحدا ويدا واحدة.




