البعثات والجاليات السودانية

السفارة السودانية في لندن تحتفي بالذاكرة والهوية في يوم ثقافي سوداني مهيب

__________

الرواية الأولى: لندن – الخميس 12 فبراير 2026

نظّمت سفارة جمهورية السودان في لندن، يوم أمس الخميس الموافق 12 فبراير 2026، فعالية اليوم الثقافي السوداني في قاعة Carpenters’ Hall التاريخية في قلب مدينة لندن، برعاية من الشركة السودانية للهاتف السيار (زين)، وبحضور دبلوماسي وثقافي وأكاديمي رفيع، ومشاركة واسعة من مؤسسات بريطانية مرموقة، وباحثين وفنانين سودانيين وبريطانيين، إلى جانب ممثلين عن الجالية السودانية، وتغطية من الصحافة والإعلام البريطاني والعربي في المملكة المتحدة.

وجاء اليوم الثقافي السوداني في ختام سلسلة فعاليات نظمتها السفارة في إطار الاحتفال بمرور سبعين عاماً على استقلال السودان، وتجسيداً للشراكة الثقافية الممتدة بين السودان والمملكة المتحدة، في وقت تتعاظم فيه أهمية الثقافة والذاكرة والهوية الوطنية في ظل التحديات الجسيمة التي يواجهها السودان.

وفي كلمته الافتتاحية، أكد سعادة السفير بابكر الأمين، رئيس بعثة جمهورية السودان في لندن، أن الاستقلال ليس مجرد تاريخ نحتفي به، بل مسؤولية متجددة لحماية الهوية وصون الذاكرة، وضمان أن يروي الشعب قصته بنفسه، وهو منفتح على العالم.

وأشار السفير إلى أن استقلال السودان عام 1956 لم يكن نهاية مرحلة، بل بداية حوار ثقافي وفكري طويل ما زال مستمراً حتى اليوم، بما في ذلك هنا في المملكة المتحدة.

وتوقف السفير عند العمق الحضاري للسودان، واصفاً إياه بأنه أحد أعظم المشاهد الحضارية في العالم، من حضارات كرمة ونبتة ومروي إلى الممالك النوبية المسيحية، مؤكداً أن هذا الإرث ليس هامشياً في تاريخ البشرية، بل في صميمه، ويخص الإنسانية جمعاء.

كما أوضح السفير أن من بين أهداف الحرب ضد الشعب السوداني ودولته مسح الهوية السودانية، عبر الاستهداف المنهجي للمدنيين وسبل عيشهم، وللمتاحف والأرشيفات والمباني التاريخية، في محاولات متعمدة لمحو الذاكرة الوطنية وتفكيك مقومات الدولة.

إلا أنه شدد على أن هذه ليست نهاية القصة، مشيراً إلى أن الحكومة السودانية وضعت إعادة الإعمار واستعادة التراث في صميم عملية التعافي الوطني، حيث تم بالفعل استرجاع أكثر من 500 قطعة أثرية منهوبة، وتأمين مجموعات متحفية، وتوثيق الخسائر، بجهود مؤسسية وطنية وتعاون دولي.

وأكد السفير أن الشراكة الثقافية السودانية-البريطانية ليست شراكة ماض فقط، بل شراكة مسؤولية مشتركة، تعيش في الجامعات والمتاحف والفنون والذاكرة اليومية.

مشاركات أكاديمية وثقافية رفيعة

وشهد البرنامج سلسلة من المداخلات العلمية والثقافية المتميزة، حيث قدّمت الدكتورة جولي أندرسون من المتحف البريطاني محاضرة حول الحضارات السودانية القديمة، استعرضت خلالها أبرز المراحل التاريخية، ودور السودان المحوري في تشكيل حضارات وادي النيل، مؤكدة مكانته المركزية في التاريخ الإنساني.

كما عُرض خلال البرنامج فيلمان وثائقيان جسّدا عمق التفاعل الثقافي السوداني–البريطاني، أحدهما عن الفنان السوداني الكبير الراحل البروفيسور أحمد شبرين، أحد روّاد الفن التشكيلي الحديث في السودان، والذي شكّل عبر تجربته جسراً إبداعياً بين السودان وبريطانيا وأسهم في صياغة وعي بصري معاصر متجذر في الهوية الوطنية، والآخر عن الفنانة البريطانية الراحلة غريزلدا الطيب، التي كرّست حياتها وفنها لتوثيق الحياة السودانية وتجسيد تفاصيلها الإنسانية، وأسهمت بعملها الفني والمعرفي في تعميق الفهم المتبادل وبناء جسر ثقافي وإنساني راسخ بين البلدين.

وقدّمت الدكتورة ستيفانيا ميرلو، يرافقها الدكتور تهامي أبوالقاسم والدكتور أحمد معتز عبد الله محمود من جامعة كامبردج، عرضاً حول مشروع MAEASaM، الذي يركّز على رسم خريطة رقمية للمواقع الأثرية السودانية وتوثيق التراث المهدد، بوصفه نموذجاً للتعاون الأكاديمي القائم على الشراكة مع الخبرات السودانية المحلية.

التراث الحي والذاكرة المجتمعية

وفي الجلسة الثانية، استعرض مايكل وهيلين مالينسون مشاريعهم ضمن مبادرة Safeguarding Sudan’s Living Heritage، المموّلة عبر صندوق حماية الثقافة التابع للمجلس الثقافي البريطاني، والتي تهدف إلى حماية التراث السوداني الحي من خلال العمل مع المجتمعات المحلية، وتوثيق الممارسات الثقافية، وربط التراث بجهود السلام وإعادة البناء الاجتماعي، بما في ذلك مبادرات مجتمعية مثل مشروعات خيمة السلام.

كما استعرضت البروفيسورة مارلين ديغان من كلية كينغز لندن مشروع ذاكرة السودان، الذي يهدف إلى حفظ وتوثيق التراث السوداني رقمياً، وضمان وصول الأجيال القادمة إلى سرديتها الوطنية.

وشارك دارسو برنامج تشيفنينغ السودانيون بتجاربهم، حيث تحدّث مصعب الشفيع ممثلاً عنهم، مستعرضاً أثر البرنامج في بناء القدرات، وتعزيز التبادل الأكاديمي والثقافي بين السودان والمملكة المتحدة، ومؤكداً دور خريجي تشيفنينغ بوصفهم جسراً بشرياً حياً ومخزوناً قيادياً واعداً لمستقبل العلاقات السودانية-البريطانية.

فقرة التكريم

وشكّل تكريم رموز الإبداع والوصل الثقافي بين السودان وبريطانيا إحدى المحطات البارزة في اليوم الثقافي، حيث جرى الاحتفاء بإسهامات شخصيات تركت أثراً عميقاً في المشهد الثقافي والفني، من بينهم الفنانة الراحلة غريزلدا الطيب، التي كرّست حياتها وفنها لتوثيق الحياة السودانية وبناء جسر إنساني بين الثقافتين، والراحل البروفيسور أحمد شبرين، أحد أعمدة الفن التشكيلي السوداني الحديث، إلى جانب الدكتور راشد دياب تقديراً لعطائه الفني ودوره في ترسيخ الحضور السوداني المعاصر، والكاتب البريطاني الراحل بيتر أفرنجتون، الذي عشق السودان وخلّد تجربته في كتابه Watch Your Step, Khawaja، مقدّماً شهادة صادقة عن السودان وشعبه. كما شمل التكريم عدداً من الشخصيات السودانية المعاصرة المقيمة في بريطانيا من الفنانين والمتطوعين والناشطين المؤثرين في المجتمع، تقديراً لإسهاماتهم في حفظ الهوية، وخدمة المجتمع، وتعزيز الحضور الثقافي السوداني في الفضاء البريطاني.

الفنون، الروح، والاحتفاء بالمجتمع

وتخللت الفعالية عروض للمديح النبوي، ومشاركات موسيقية و مشاركة فنانات وفنانين سودانيين معاصرين مقيمين في بريطانيا، قدّموا نماذج من الإبداع السوداني الحديث في المهجر.

واختُتم البرنامج بعرض لطقوس الزواج السوداني التقليدي (الجرتق)، في احتفاء بالتراث غير المادي الذي أُدرج مؤخراً على قائمة اليونسكو للتراث الثقافي غير الملموس.

اترك رد

error: Content is protected !!