الرواية الأولى

نروي لتعرف

آفاق رقمية / د. محمد عبدالرحيم يسن

الذاكرة الوطنية.. من يملك المعلومة؟

الذاكرة الوطنية.. من يملك المعلومة؟

د. محمد عبدالرحيم يسن





في العمود السابق، أشرنا إلى التوثيق بوصفه شرطا لبناء الذاكرة المؤسسية، ووعدنا بالانتقال إلى سؤال أكثر اتساعا وعمقا، فالذاكرة الوطنية لا يتعلق بالتقنية وحدها، بل بجوهر الدولة، ومن يملك المعلومة، ومن يديرها، ومن يحق له الوصول إليها.
فالذاكرة الوطنية ليست مجرد أرشيف وثائق، ولا مستودعات بيانات، بل مجموع ما راكمته الدولة من معرفة عن نفسها: “قراراتها، سياساتها، مواردها، مواطنيها، وتجاربها في النجاح والإخفاق”. وعندما تغيب الإجابة الواضحة عن ملكية هذه الذاكرة، تتحول المعلومة من أصل وطني إلى عبء إداري، أو ملكية مبهمة تتنازعها المؤسسات.
في كثير من المؤسسات، ظلت المعلومة محتجزة داخل الجهة المنتجة لها، وكأنها ملك خاص لا مورد عام. فكل مؤسسة تبني نظامها، وتحتفظ ببياناتها، وتدير معرفتها بمعزل عن غيرها، دون إطار وطني حاكم يحدد المسؤوليات، وحقوق النفاذ، وحدود المشاركة. والنتيجة ذاكرة وطنية مجزأة، لا تتكامل، ولا تتحدث مع نفسها.
وهنا يبرز الخلط الشائع بين حيازة المعلومة وملكيتها. فالمؤسسات قد تكون حارسة للبيانات، لكنها لا تملكها بالمعنى الوطني. المعلومة، في جوهرها، ملك للدولة، وللمجتمع، وللأجيال القادمة، وتدار بالنيابة عنها وفق ضوابط واضحة. هذا الفهم هو ما يميز الدول التي بنت سياسات بيانات ناضجة، عن تلك التي اكتفت برقمنة الصمت المؤسسي.
ولا يمكن الحديث عن ذاكرة وطنية دون حوكمة معلومة، فغياب الأطر القانونية والتنظيمية يجعل التوثيق فعلا معلقا، لا يجد طريقه إلى الاستدامة.
من يحدد ما يوثق؟ وبأي معيار؟ ومن يقرر ما ينشر وما يحجب؟ وكيف نوازن بين الشفافية، والخصوصية؟ هذه أسئلة لا تجيب عنها الأنظمة، بل تجيب عنها السياسات.
وفي سياق ما بعد الحرب، يصبح هذا السؤال أكثر أهمية. فإعادة بناء الدولة لا تبدأ بإعادة تشغيل الأنظمة فقط، بل بإعادة تعريف العلاقة مع المعلومة. فالدولة التي لا تعرف ماذا تملك من بيانات، ولا أين توجد، ولا من يديرها، تعجز عن التخطيط، وتكرر أخطاءها دون وعي.
ان اخطر مايمكن ان نواجهه فى هذه المرحلة هو اعادة انتاج الماضى بتكديس البيانات دون معنى وانشاء المنصات دون ذاكرة واستيراد انظمة لاتعرف سياقها. فالدولة الرقمية لا تبنى بكثرة البيانات، بل بوضوح ملكيتها، وحسن إدارتها، وربطها بهدف وطني جامع.
إن استعادة الذاكرة الوطنية تبدأ بخطوة مفاهيمية بسيطة، ان المعلومة ليست ملكا للمؤسسة، ولا للفرد، بل أصل وطني، يدار وفق مصلحة عامة، ويخضع للمساءلة، ويحفظ للأجيال القادمة.
ومع أدوات الذكاء الاصطناعي والخوارزميات الجائعة للبيانات، تصبح الذاكرة الوطنية، أكثر أهمية للمحافظة عليها من التشتت..
في العمود القادم، سنحاول الانتقال من السؤال إلى الإطار العملي: كيف تدار الذاكرة الوطنية؟ وما موقع الحوكمة الرقمية في ضبط العلاقة بين الدولة، والمؤسسة، والمعلومة؟

١٨ يناير ٢٠٢٦م

اترك رد

error: Content is protected !!