
في نوفمبر 1953 اجريت أول انتخابات تشريعية في السودان ضمن ترتيبات الاستعمار البريطاني لاستقلال السودان ومن المفارقات أن اسبانيا والبرتغال جارتي بريطانيا في أوروبا كانتا حينها تحت نظام حكم عسكري دكتاتوري. ما إن جاء العام 1954 إلا وكان الحدث الاشهر في الساحة الثقافية فيلم “كدبة أبريل” بطولة إسماعيل ياسين والسودان ومصرحينها دولة واحدة. وتشاء الاقدار أن يبحث السودانيون عن الديمقراطية في (ابريل) 1985، و(ابريل) 2019 بعد حكم المشيرين جعفر وعمر ( 16 و30 عاما)، ثم تأتي كذبة أبريل الكبرى في (أبريل) 2023 بإعلان محمد بن حمدان واخوانه الحرب لاجل الديمقراطية برعاية من دولة تحكمها عائلة حكما وراثيا.
السؤال الجوهري الذي لم تشغل نخبنا واحزابنا السياسية بالها به هو لماذا استعصت علينا الديمقراطية حتى اصبحت كذبة ابريل ملازمة لتاريخنا السياسي، و لم تبذل الجهد لترسيخها ، مع إن ذلك من بديهيات و أولويات العمل السياسي لاي أحزاب في اي نظام ديمقراطي ليبرالي، وغاية ما فعلته بعض احزابنا هو توقيع “ميثاق الدفاع عن الديمقراطية” بعد ابريل الاولى في 1985م والذي لم يصمد عند اذاعة المارشات العسكرية صبيحة الجمعة 30 يونيو 1989.
المهم ان السودان اصبح دولة مستقلة بنظام ديمقراطي ليبرالي في الاول من يناير 1956 وبرلمانا منتخبا، لم يستطع هذا النظام الصمود لثلاثة اعوام، اذ تسلم الجيش السلطة في نوفمبر 1958م، وبعيدا عن جدل الاسباب السياسية لحدوث الانقلاب حينها، نجد ان النظام الديمقراطي كان بناء هشا، لعدة اسباب. فالدولة المركزية كانت حديثة التكوين ، وتجربتنا مع نظام الاحزاب بدأت في عهد الاستعمار بعد سقوط الدولة المهدية في 1898، أو للدقة نظامنا الديمقراطي ليس الا استنساخ لنظام المستعمر، ويبدو اننا تعودنا استسهال الحلول في حياتنا فقد كنا نأمل في استدامة الديمقراطية دون الاعتبار أن الغرب ترسخت التجربة الديمقراطية واصبحت جزء من ثقافة المجتمع فيه عبر قرون، اذ تأسست أول ديمقراطية في أثينا في القرن الخامس قبل الميلاد ثم تطورت لمؤسسات وتقاليد في المجتمع والمناهج الدراسية والتربوية. اضافة لذلك لم يكن النظام الديمقراطي الليبرالي موجودا حولنا و في محيطنا القريب، فمعظم الدول من حولنا كانت تحت نظم ملكية، أو خارجة منها للتو نحو نظام عسكري. إذا ركب في رأسنا ان النظام الديمقراطي هو الحل وظللنا نبحث عنه سبعين عاما لسببين فقط هما نظام المستعمر، وأن لم يكن لدينا نظام ملكي سابق للاستعمار!
عند إمعان النظر لاحزابنا السياسية من حيث الاصول الفكرية، والبناء المؤسسي، والممارسة الداخلية، نجد أنه كان سيصبح أمرا عجيبا ومخالفا للمنطق وحدثا استثنائيا ان نجحت التجربة الديمقراطية واستقرت خلال السبعين عاما الفائتة. فالحزبان الكبيران اللذان استلما السلطة حين الاستقلال يتبعان لاسرتين على رأس طائفتين دينيتين، لا يجمع بينهما واسس الديمقراطية الليبرالية إلا هدف الوصول للسلطة، والاحزاب اليسارية فلا اصولها الفكرية ولا ممارسات آبائها في الدول التي وصلت فيها السلطة لها علاقة بالديمقراطية الليبرالية، أما الاسلاميين فكانوا نجم الحرية الصاعد منذ اكتوبر 1964، ثم اصبحوا نجمها الواعد في انتخابات 1986، حتى جاء اليوم الاخير من يونيو في 1989 فأكلوا من شجرة الانقلابات ولحقوا بالباقين. وبقى اللغز مستمرا اين هي بذور الديمقراطية الصالحة عند احزابنا نزرعها فتخضر سهولنا.
من أسس الديمقراطية انها حقوق وواجبات، وحرية اختيار، والتزام صارم بمبادئ العدل وحاكمية القانون والشفافية، وعدم السماح بالتدخل الخارجي في الشئون الداخلية. ولاستمرار النظام الديمقراطي لا يكفي أن تكون هذه الاسس موجودة في الدستور والقوانين فقط، بل يجب أن تكون جزءا أصيلا من تربيتنا وممارستنا لكل الانشطة الحياتية، وثقافتنا المجتمعية.
حكى شاب عراقي مهاجر في كندا التقينا به في ورشة عمل عن الانتخابات قبل عدة سنوات، قال أنه ذهب يوما لاستلام ابنته من الروضة، فلما دخل الروضة مع نهاية الدوام، وجد الاطفال في صف الاستعداد للخروج وابنته، تراجع في زملائها لتتأكد من أن كل واحد أخذ حاجياته معه مكتملة، وانتظرها حتى انتهت ثم خرجا، فسألها في الطريق عن ما كانت تفعله، فقالت له أنه واجبها لأنها قائدة الصف (Leader) ، فقال لها كيف اصبحتِ القائدة، فقالت انهم انتخبوها.
بالمقابل نجد انه عندما تأتي سيرة الديمقراطية عندنا لا يتبادر الى الذهن الا عملية الاقتراع، وهي رغم اهميتها إلا انها جزء صغير جدا من النظام الديمقراطي، فترسيخ وتعميق وتطويرالديمقراطية يجب ان تكون عملية مستمرة، يشارك فيها كل أفراد المجتمع، بحيث يعمل الجميع وفق نسق واحد ومسئولية لبناء الوطن واستغلال خيراته والافادة من اختلاف وجهات النظر في إثراء الافكار والحلول. هل تعلم أن اوروبا التي سلكت طريق الديمقراطية قبل أكثر من 2500 عاما، لازالت حتى اليوم تعتمد انشطة ترسيخ الديمقراطية ضمن اهتمامات المفوضية الاوربية ولوشئت راجع موقعها في الإنترنت ” لقد جعلت المفوضية الدفاع عن الديمقراطية وتعزيز سيادة القانون أولويتها. وقد وضعت تدابير لحماية ديمقراطيتها وتعزيزها، ومواجهة التدخل الأجنبي، ومكافحة التضليل والفساد، وحماية حرية الإعلام وتعدده، فضلاً عن سلامة الصحفيين”. هل انتبهت عزيزي ان اوروبا حتى اليوم تستميت في حماية ديمقراطيتها من التدخل الاجنبي؟ وبالمقابل ليست الديمقراطية عندنا الا بابا للتدخل الاجنبي؟ لو يذكر الذين حضروا انتخابات عام 1986، كيف كان حزب البعث الاشتراكي حينها يصرف صرف من لايخشى الفقر من أموال النفط العراقي، طبعا هذا غير المنح التعليمية لكوادر الحزب في العراق، وقد سبقه الحزب الشيوعي الذي كانت منح الحزب الشيوعي ودول اوروبا الشرقية مبذولة لكوادره ، أما ديمقراطية ابريل 2019، ربما الأيسر ان نبحث فيها عن الدور السوداني، فالاصل هي ان قيادتها من السفارات، فقد كانوا حضورا في ساحة الاعتصام كأنهم من قيادات الأحزاب والمجتمع ، ولعل أشهر التدخلات ما تسرب عن كتابة السفير البرياطني مسودة الطلب للامم المتحدة لوضع السودان تحت البند السادس ليوقع عليها رئيس الوزراء دون أن يعلم الشعب ومجلس السيادة، ثم اعلان برنامج الامم المتحدة الانمائي لوظائف في مكتب مجلس الوزراء و سحبها بعد ردة فعل الرأي العام، وما تسرب حينها من دفع مرتبات لمجلس الوزراء، ورعاية سفراء ما عرف بالرباعية لوضع الاتفاق الاطاري، وأخيرا استضافة من يبحثوا لنا عن الديمقراطية وتمويل تحركاتهم.
النظم الديمقراطية لا تتسامح أبدا مع التدخل الاجنبي،اقرب الامثلة استقالة مايكل فلين مستشار الامن القومي الامريكي في ولاية ترمب الاولى، بعد اقل من شهر من توليه المنصب في 20 يناير 2017، والسبب بعد كشف اتصالاته مع السفير الروسي قبل توليه المنصب، واعتبر الامر فضيحة.
ممارسة الفوضى من نقائص تعاملنا مع الديمقراطية ، عندما تلوح ذات أبريل، مما يجعل الناس لا يأسفون عليها عندما تنخسف أو “يشيلها كلب” كما قال الشريف زين العابدين الهندي عليه رحمة الله في الجمعية التاسيسية اواخر ديمقراطية ابريل 1985.والذين عاشوا في الخرطوم قبيل وبعد ابريل 2019، يذكرون كم كانت الحياة بائسة اثناء تتريس الشوارع وتدمير بلاط الشوارع، و خلع اللافتات واعمدة الانارة وحرق اطارات السيارات بزعم دعاوي الديمقراطية، وتعطلت كثير من مصالح المواطنين، ولم يستطع بعض المرضى الوصول للمستشفيات وقضى بعضهم نحبه…
وفجيعتنا لا توصف وأحد السياسيين الذين كنا نعدهم من العقلاء وندخرهم لبناء نهضة السودان خاصة أنه جمع بين الهندسة والسياسة، فاذا به يصعقنا بأن ” المجد للساتك ولمن احرق اللساتك”.
درب الديمقراطية طويل ولنأخذه بجدية إن كنا فعلا نريدها، الاستدامة لن تأتي ألا أن نبذل لها الجهد على قناعة، وبدون ذلك ستظل الديمقراطية المستدامة هي كذبتنا السياسية كلما اهل علينا أبريل.
ليت هناك من ينهض منا ليحلل بعمق قصة فشلنا الطويل مع استدامة الديمقراطية ، ويضع لنا ملامح الطريق. ولنعلم إن لم يكن ترسيخ الديمقراطية بندا أساسيا في نشاط أحزابنا الفكري والسياسي، ومناهجنا التربوية، وبرامجنا الثقافية وحياتنا الاجتماعية، فلا نمني أنفسنا بها.
وثمة ملاحظة بسيطة، اخذت الفترة الانتقالية بعد 1964 ستة أشهر ، والفترة الانتقالية الثانية بعد 1985 مدة 12 شهرا، وفترتنا الانتقالية الحالية اكملت الان 72 شهرا.. وماشين في السكة.



