
_______
“لكي توجد الدولة يجب أن تحارب”؛ هي صياغة اختزالية لإحدى أكثر أفكار هيغل إثارةً للجدل حول نشأة الدولة الحديثة. وليس المقصود بهذه العبارة تمجيد الحرب أو تبرير مآسيها، وإنما الإشارة إلى دورها التاريخي بوصفها تجربة وجودية كبرى تعيد تشكيل الوعي الجمعي بالكلية. فالحرب، خاصة في مواجهة عدوان خارجي، تمثل مصهراً فعالاً للوحدة الوطنية، حيث يتعاظم الشعور بوحدة المصير، ويتقدّم الانتماء الوطني على العصبيات الطبيعية من قبلية أو جهوية أو طائفية، وتتجلى فيها أهمية الدولة في توفير الأمن وصون كرامة الإنسان.
غير أن هذا الأثر، على أهميته، لا يكفي بذاته ليجعل الحرب «قابلة للأمم». فالقيمة التأسيسية للحرب تكمن في قدرتها على إحداث وعي استثنائي باللحظة التاريخية، يُعاد من خلاله مساءلة الأنماط الفكرية وتجاوز البنى السياسية والاجتماعية الراسخة. وفي هذه اللحظة تحديداً يتوقف المآل على وجود نخبة فكرية وقيادة سياسية تدرك طبيعة الدور التاريخي الملقى على عاتقها. فالدولة القومية ليست كياناً طبيعياً ينشأ تلقائياً، بل بناءٌ مؤسسي، تخيّلي في جوهره، يجب صناعته عبر طليعة فكرية وقيادة سياسية واعية، تبني المشروع الوطني من بين فرث ودم التجربة التاريخية القاسية.
وفي هذا الإطار، تبرز الحاجة الملحّة إلى إدارة حوار وطني عميق حول الاختيارات الكبرى للأمة. فالتجارب التاريخية الكبرى لبناء الدولة القومية، خاصة في المجتمعات المنقسمة، لم تنشأ عفوياً، بل كانت حصيلة جهد فكري منظم. والناظر إلى التجربة الأمريكية، على سبيل المثال، يدرك صعوبة تصور ما آلت إليه من دون العمل الفكري والفلسفي للآباء المؤسسين، والجهد التنويري الذي قام به هاملتون وماديسون وجاي في نشرهم للأوراق الفيدرالية، تلك النصوص التي صاغت الأسس النظرية والعملية لبناء الدولة بعد حرب الاستقلال. ويقف السودان اليوم عند لحظة تاريخية مشابهة، تتطلب جهداً فكرياً من هذا النوع، يتناول أسئلة التأسيس الكبرى: ما النظام الأنسب للحكم؟ رئاسي أم برلماني أم مختلط؟ وما شكل الدولة: موحدة، أم فيدرالية، أم كونفدرالية، أم صيغة مركبة بينهما؟
صحيح أن هذه الأسئلة ليست جديدة على العقل السياسي السوداني، فقد ظلت حاضرة في أدبياته وتجاربه منذ قبيل الاستقلال. غير أن الديناميكيات التي أفضت إلى الاستقلال لم تكن منشغلة على نحو كافٍ ببناء دولة قادرة على إدارة تناقضاتها الداخلية وتعزيز بنيتها القومية. فقد انصبّ التركيز آنذاك على الصراع مع “الآخر” الاستعماري، الذي كان، على حد تعبير سارتر “هو الجحيم” الذي يحجب النظر في الأسئلة الذاتية العميقة. بل إن النخبة الوطنية تعاملت مع الدولة السودانية بوصفها معطىً طبيعياً قائماً بذاته، لا مشروعاً يحتاج إلى بناء مؤسسي دقيق. وحتى الخيار الاستراتيجي المتعلق بالوحدة مع مصر أو الانفصال عنها لم يُبنَ على تحليل جيوسياسي أو منظور للاقتصاد السياسي، بقدر ما عكس توازنات وتحالفات تاريخية بين الكيانات الطائفية و النخبة السياسية مع القوى الاستعمارية.
وفي هذا السياق، دخلت الفيدرالية إلى المجال السياسي السوداني بوصفها خياراً صراعياً بين النخب الجنوبية والشمالية، أكثر من كونها رؤية بنائية للدولة القومية. فقد ارتبط طرحها، في بداياته، بإحساس قطاعات جنوبية بخصوصية هوياتية وسياسية، ورغبة في تأكيد الذات وربما التمهيد للحكم الذاتي (جنى إنفصال)، بينما نظر إليها قطاع واسع من النخبة الشمالية باعتبارها خطوة نحو التفكك. ومن ثم، لم يكن النقاش حول الفيدرالية تعبيراً عن بحث موضوعي عن النظام الأكثر فاعلية للدولة وتحقيق درجة أعلى من القدرة على الحكم، بقدر ما كان انعكاساً لمخاوف تاريخية متبادلة. ومع مرور الوقت، تحولت الفيدرالية إلى ما يشبه “المسلّمة السياسية”، حتى بات من الصعب طرح بدائل أكثر وحدوية، بينما أصبح من اليسير تبني صيغ أكثر تفكيكاً، كالكونفدرالية، وصولاً إلى حق تقرير المصير الذي انتهى إلى انفصال الجنوب، ولا يزال يُلوّح به في بعض الأقاليم.
لذلك فإن محاولة إعادة النظر في هذه المسلّمة تقتضي تفكيك الافتراضات الكامنة وراءها. فالافتراض الظاهر أن الفيدرالية تعالج احتكار السلطة في المركز، وتحقق التنمية المتوازنة، وتعزز السلام. أما الافتراض الضمني فهو أن المشكلة الأساسية تكمن في وجود مركز قوي ومفرط التركيز. وهنا تكمن المفارقة.ففي التجربة الأمريكية، التي يُستشهد بها كثيراً، نشأت الفيدرالية لتحقيق معكوس هذا التصور تماماً؛ فقد كانت وسيلة لتعزيز المركزية، عبر تنازل ثلاث عشرة وحدة سياسية واقتصادية ناجحة نسبياً عن جزء من سلطتها وصلاحياتها لحكومة اتحادية أقوى، قادرة على تنظيم السوق، وتوحيد السياسات التجارية، وتقليل أسباب الصراع بينها وكلفة الحكم. فالفدرالية الأمريكية هي محاولة للاقتراب من النموذج المركزي، بل ما فتئت السلطات المركزية في اتساع مطرد.
أما في الحالة السودانية، فإن الأزمة ليست في مركز قوي يحتاج إلى التقييد، بل في مركز ضعيف محدود القدرة وهشّ المؤسسية. إن عنف الدولة وتكرار النزاعات المسلحة لا يعكسان قوتها، بل ضعفها؛ فالضعيف عنيف، كما أن الضعف المؤسسي هو الذي يغري بالتمرد، والهشاشة هي التي تدفع الفاعلين إلى البحث عن تحقيق مطالبهم خارج إطار الدولة. ومن ثم، فإن استيراد النموذج الفيدرالي بوصفه علاجاً للمركزية في الحالة السودانية قياس فاسد لكنه سائد. فهو أشبه بوصف علاج للسمنة المفرطة لمريض يعاني هزالاً شديداً. فالفيدرالية، في سياق دولة ضعيفة، قد تتحول إلى آلية لتكريس الضعف وتسريع التحلل، من خلال تضخم الهياكل السياسية المحلية، وارتفاع كلفة الحكم، وتفاوت القدرات المؤسسية، وتعميق عدم المساواة بين الأقاليم وتشجيع النزوح الداخلي للولايات الأكثر حظاً من حيث الموارد أو فاعلية نظم الحكم. لكن أخطر سمات الفيدرالية أنها تحمل تحيزاً مؤسسياً لصالح عدم التنظيم وتثبيتالواقع القائم، حتى لو كان هذا الواقع مختلاً، مما يجعلها وصفة ذات أثر سلبي نهائي لدولة ضعيفة في طور النشوء. فالفدرالية في ظل دولة ضعيفة ستعمل في اتجاه التفكيك لأن عوامل الجذب المحلية في اغلب الحيان أقوى من عوامل الجذب المركزية.
ومن جانب آخر، فإن نجاح الفيدرالية يتطلب شروطاً بنيوية لم تتوافر بعد للدولة السودانية، من بينها: حكومة مركزية قوية، وأحزاب سياسية ذات بنية رأسية قوية وامتداد قومي، ومؤسسات محلية عالية الكفاءة. ومما يدعو للعجب أن أحد شروط نجاح التجربة الفدرالية هو اعتمادها على وجود نخبة سياسية وممثلين غير حرصين على تحقيق المصالح المخصوصة لناخبيهم المباشرين. بمعنى أنهم سياسيون استثنائيون على درجة عالية من الحكمة ونكران الذات ويميلون دوماً لترجيح المصلحة القومية على المحلية، فضلاً عن مجتمع سياسي ناضج قادر على إدارة التفاوض المعقد بين مستويات الحكم. فهذه الشروط المفارقة لطبيعة الأشياء، فضلاً عن تعقيد النظام الفدرالي الناجم عن حقيقة أنه مستويين من الحكم في نفس الأرض، لكل مستوي دائرة فعل يتمتع فيه بالاستقلالية التامة، مع وجود ضمانات دستورية لاستقلالية كل مستوى في دائرة اختصاصية في الأبعاد السياسية، او الاقتصادية، أو الاجتماعية، أو الثقافية، او القانونية، يجعل تطبيق النظام الفدرالي إشكالياً لدرجة لا تقل عن المعضلات التي يرجى أن يحلها!
فإذا أخذنا الشرط الأول، وهو وجود حكومة مركزية قوية، نجد أن النظم الفيدرالية الناجحة تعتمد في الواقع على درجة عالية من المركزية في مجالات الدفاع والأمن والسياسة الخارجية، بل وتمنح المركز صلاحيات استثنائية عند الأزمات، كما في التجربة الكندية، وحصر النظام الفدرالي في الفصل القانوني الذي يأخذ في الاعتبار بعض الخصوصيات الثقافية او التعهدات التاريخية.إذن قد تكون الفيدرالية نموذجاً ناجحاً في بعض السياقات، لكن السؤال الجوهري هو: هل هي النموذج الأنسب لدولة في طور إعادة التأسيس وتعاني ضعفاً بنيوياً في قدرتها على الحكم؟
تشير تجارب التنمية وبناء الدولة إلى أن المراحل الأولى ارتبطت غالباً بدول مركزية قوية قادرة على التعبئة والتخطيط وتوجيه الموارد وصناعة الهوية الجامعة (Gemeinschaft)، بدءاً من النموذج اليعقوبي في فرنسا، مروراً بكوريا الجنوبية وتايوان، وانتهاءً برواندا، رغم طابعها السلطوي. وفي المقابل، فإن التجارب الفيدرالية في البيئات الهشة كثيراً ما أسهمت في تضخم النخب المحلية وتعميق الانقسامات، كما في الحالة النيجيرية، حيث عزز النظام الفيدرالي الإثني المنافسة الريعية وثبّت الهويات الإقليمية على حساب الهوية الوطنية.
أما التجربة السودانية خلال العقود الماضية، فقد أظهرت أن الترتيبات الفيدرالية، التي طُبقت بقناعة فكرية راسخة لدى الإنقاذ وجهد كبير مصوب، لمتؤدِّ إلى الاستقرار، بل أسهمت في تضخم البنية السياسية المحلية وتكريس التسييس الجهوي وتسريع حالة التسيس الشامل، بينما ظلت المشروعات التنموية الكبرى مرتبطة بفاعلية المركز أو لعلاقة مخصوصة لبعض الولاة ومركز السلطة. وهو ما يشير إلى أن الإشكال لا يقتصر على عيوب التطبيق، بل يتعلق أيضاً بمدى ملاءمة النموذج نفسه.
وإن أضحى النموذج الفدرالي من التجذر في المخيال السياسي السوداني بما يجعل من محاولة تجاوزه لنموذج أكثر وحدوية خارج حيز الإمكان، فمن المهم اعتماد نظام فدرالي بسلطات مركزية واسعة وحكم محلي قوي وفق تجربة المحليات بقيادة الضباط الإداريين. كما يجب إعادة ترسيم الولايات بشكل يفرض حالة الاعتماد المتبادل بين الولايات من جانب، وبين الولايات والمركز من جانب آخر وفق خارطة المشاريع الاقتصادية التنموية. كما يجب ان ترسم حدود هذه الولايات بحيث يكون من الصعب الوصول الى السلطة من خلال الاعتماد على مكون اجتماعي أو اقتصادي واحد، لتقليل التحيزات البنيوية والنزعات الانفصالية المرتبطة بالنموذج الفدرالي.
ومن هنا، فإن مرحلة ما بعد الحرب تستدعي شجاعة فكرية لمراجعة المسلّمات، وفتح حوار جاد حول خيار الدولة الموحدة ذات المركز القوي، القادرة على إنفاذ تخطيط مركزي منصف ومتوازن، باعتباره ضرورة وظيفية لبناء دولة قادرة على البقاء في ظل انقسام داخلي حاد وتحديات تنموية ضخمة ومحيط جيوسياسي مضطرب. فالتحدي الحقيقي لا يتمثل في كيفية توزيع سلطة ضعيفة، بل في كيفية بناء سلطة وطنية قوية وعادلة. فالسلطة يجب أن تُبنى وتتركز قبل أن تُوزَّع.
إن ضرورات المرحلة تقتضي مركزاً قادراً على الحكم، ومؤسسات منسجمة وظيفياً، ورؤية وطنية تتجاوز الإرهاق التاريخي إلى مشروع تأسيسي جديد.ولعل اللحظة الراهنة، بكل ما تحمله من آلام وتضحيات، تفتح نافذة تاريخية نادرة لإعادة التفكير في سؤال بناء الدولة ذاته، متجاوزين الوصفة السهلة التي تختزل الحل في تقاسم السلطة والثروة، إلى واجب الصناعة الواعية لمستقبل الأمة.





