خلاصة الأمر !! / الواثق كمير

الحرب على إيران – بين الصراع الإقليمي والإقصاء الداخلي!

قراءة في توظيف الحرب والتصنيفات الدولية في الصراع السياسي السوداني

د. الواثق كمير

✍🏼 الواثق كمير

kameir@yahoo.cpm
تورونتو، 12 مارس 2026

في خِضم الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، تتردد أصداء الصراع الدائر في الشرق الأوسط حتى في السجالات السياسية داخل السودان. وبغضّ النظر عن طبيعة النظام السياسي في إيران، فإن أي حرب تشنها قوة خارجية على دولة ذات سيادة تظل، في جوهرها، انتهاكاً لمبدأ أساسي من مبادئ النظام الدولي: سيادة الدول وعدم جواز استخدام القوة لتغيير الأنظمة أو إعادة تشكيل التوازنات السياسية بالقوة العسكرية. فالموقف من الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران لا ينبغي أن يُقاس بالموقف من النظام الإيراني، بل بالمبدأ الأوسع المتعلق بقواعد العلاقات الدولية.

ومما يزيد خطورة هذه الحرب أنها تجري في سياق صراع أوسع حول موازين القوة والنفوذ في الشرق الأوسط. فالقضية لا تتعلق فقط بطبيعة النظام الإيراني، بل أيضاً بمحاولات إعادة تشكيل التوازن الإقليمي في المنطقة. وقد عبّر رئيس الوزراء الإسرائيلي نفسه بوضوح عن هذا الهدف حين تحدث مؤخراً عن “أن العمليات العسكرية الحالية تُدرج ضمن استراتيجية تهدف إلى تغيير موازين القوة في المنطقة. لقد حوّلنا إسرائيل إلى قوة إقليمية” (مؤتمر صحفي، الخميس 12 مارس 2026).

غير أن اللافت في السجال السياسي السوداني حول هذه الحرب ليس فقط تباين المواقف منها، بل الطريقة التي يجري بها توظيفها في الصراع الداخلي بين القوى السودانية. فقد برز خطاب يرى في هذه الحرب فرصة لإضعاف خصوم سياسيين داخل السودان، استناداً إلى فرضية متداولة مفادها وجود علاقة عضوية بين الإسلاميين السودانيين وإيران تقوم على استلهام التجربة الإيرانية واتخاذ نظام «الملالي» نموذجاً سياسياً، رغم التباعد المذهبي بين السنة والشيعة.

هذه القراءة تبدو للوهلة الأولى مقنعة، لكنها تختزل تاريخ العلاقة بين السودان وإيران اختزالاً شديداً، وتتجاهل التحولات التي طرأت على سياسات الدولة السودانية نفسها خلال العقود الماضية.

ففي السنوات الأولى من حكم الإنقاذ في تسعينيات القرن الماضي، شهدت العلاقات السودانية–الإيرانية مرحلة تقارب سياسي وأمني ملحوظ. وقد تجلّى هذا التقارب مبكراً في الزيارة التي قام بها الرئيس الإيراني الأسبق هاشمي رفسنجاني إلى الخرطوم في نهاية عام 1991، أي بعد أقل من عامين على استيلاء الجبهة الإسلامية القومية على السلطة عبر انقلابها على الحكومة المنتخبة عام 1989. وجاء هذا التقارب في سياق عزلة دولية وضغوط إقليمية واجهها النظام الجديد في الخرطوم، ما دفعه إلى البحث عن شركاء خارج منظومة التحالفات التقليدية في المنطقة.

وفي تلك المرحلة تطورت العلاقات السياسية والعسكرية بين البلدين، وتشير تقديرات عديدة إلى أن التعاون مع إيران ساهم، بدرجات مختلفة، في إنشاء أو تطوير منظومة الصناعات الحربية السودانية.

لكن هذا التقارب لم يكن يعني بالضرورة انتقال النموذج الأيديولوجي الإيراني إلى السودان أو تبنيه داخل المجتمع السوداني. فمع مرور الوقت انقطع الوصل الأيديولوجي عملياً، حتى وإن استمرت بعض قنوات التواصل السياسي أو العسكري. والواقع أن التأثير الفكري أو المذهبي الإيراني في المجتمع السوداني ظل محدوداً للغاية، بل إن تأثير المراكز الثقافية الأجنبية الأخرى – الروسية أو الألمانية أو الفرنسية – كان في فترات طويلة أكبر بكثير من تأثير المركز الثقافي الإيراني.

صحيح أن بعض القيادات الإسلامية السودانية في تلك المرحلة أبدت اهتماماً بالتجربة الإيرانية بوصفها نموذجاً لنجاح ثورة إسلامية في الوصول إلى السلطة، كما شارك بعضهم في زيارات أو برامج تدريبية في إيران. غير أن ذلك الاهتمام ظل في إطار النقاشات الفكرية داخل تيارات الإسلام السياسي في تلك المرحلة، ولا يعني بالضرورة تبنياً كاملاً للنموذج الإيراني أو تحول الحركة الإسلامية السودانية إلى امتداد له.

بل إن مسار السياسة السودانية نفسه كان يتجه في اتجاه مختلف. ففي النصف الثاني من التسعينيات بدأت الخريطة السياسية الداخلية تشهد تحولات مهمة، مع عودة بعض القوى السياسية إلى الداخل، مثل انضمام الشريف زين العابدين الهندي إلى النظام عام 1996، ثم توقيع اتفاق جيبوتي عام 1999 وعودة الصادق المهدي إلى البلاد. كما شاركت قوى سياسية أخرى تقليدية في الحياة السياسية بدرجات مختلفة، بينما فضلت بعض القوى – مثل الطريقة الختمية – الابتعاد عن الانخراط المباشر في الصراع السياسي الحاد.

ثم جاءت مرحلة اتفاقية السلام الشامل عام 2005، واتفاق القاهرة للسلام بين التجمع الوطني الديمقراطي ونظام الإنقاذ في يونيو 2005، وما تبعها من انتخابات في عامي 2010 و2015، وكانت البلاد تستعد لانتخابات جديدة في عام 2020 قبل قيام الثورة وتغير الأوضاع السياسية لاحقاً. وخلال هذه السنوات كانت غالبية القوى السياسية السودانية، بما في ذلك الحركات المسلحة، منخرطة بدرجات مختلفة في عمليات تفاوض أو تسويات سياسية مع نظام الإنقاذ حتى اندلاع احتجاجات ديسمبر 2018 وسقوط النظام بعد ذلك.

وفي خضم هذه التحولات حدث التغير الأكبر في العلاقة مع إيران. ففي عام 2015 قطع السودان علاقاته مع طهران، وانضم إلى التحالف العربي بقيادة السعودية وشارك بقوات عسكرية في عمليات «عاصفة الحزم» في اليمن ضد الحوثيين، الذين يُعدّون أحد أبرز حلفاء إيران في المنطقة. وقد شكلت هذه الخطوة تحولاً واضحاً في موقع السودان داخل الخريطة الإقليمية، وأكدت أن علاقاته الخارجية كانت تتحرك في إطار حسابات سياسية متغيرة، لا وفق ارتباط أيديولوجي ثابت.

ولم تُستأنف العلاقات الدبلوماسية بين السودان وإيران إلاّ بعد اندلاع الحرب في السودان، حين جرى في منتصف عام 2024 إعادة العلاقات وتبادل التمثيل الدبلوماسي من جديد بعد قطيعة استمرت نحو ثماني سنوات، مع تعيين سفير سوداني مهني، حتى لو كانت له ميول إسلامية. وهو أمر لا يخرج في جوهره عن منطق العلاقات بين الدول، إذ من الطبيعي أن تحتفظ الدول بتمثيل دبلوماسي متبادل حتى مع دول تختلف معها سياسياً أو أيديولوجياً.

إن الإشارة إلى هذا المسار لا تهدف إلى الدفاع عن تجربة الإنقاذ أو تبرئة سجلها السياسي، وهو سجل ما يزال موضع جدل واسع داخل السودان، وإنما إلى تصحيح القراءة المبسطة للعلاقة مع إيران التي تُستخدم اليوم في تفسير الصراع السياسي الداخلي بطرق قد تكون مضللة.

وهنا يبرز سؤال بسيط: أين كانت إيران، وما هو موقعها الحقيقي في مجمل الصراع السياسي السوداني خلال هذه العقود؟ فالحقيقة أن تأثيرها ظل محدوداً في هذا الصراع، الذي تشكل أساساً من تفاعلات داخلية سودانية أكثر مما تشكل من امتدادات إقليمية.

إن الإشارة إلى هذه الوقائع لا تعني إنكار وجود علاقات قديمة بين الإسلاميين السودانيين وإيران تعود إلى السنوات التي أعقبت الثورة الإيرانية في أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات، ولا تعني أيضاً إنكار وجود مجموعات أو شخصيات إسلامية ما زالت تنظر بإعجاب إلى التجربة الإيرانية. فهذا أمر طبيعي في سياق أوسع من تيارات الإسلام السياسي التي ظهرت في العالم الإسلامي، والتي تأثرت بأفكار ما عُرف بتيار «الصحوة» القائم على فكرة الأمة أو الجامعة الإسلامية التي تتجاوز الانقسامات المذهبية بين السنة والشيعة. غير أن تأثير هذه التيارات ظل محدوداً في القواعد الاجتماعية للحركة الإسلامية السودانية وفي المجتمع السوداني عموماً.

ولهذا فإن تصوير العلاقة بين الإسلاميين السودانيين وإيران وكأنها علاقة عضوية ثابتة يتجاهل هذا المسار الطويل من التحولات السياسية.

غير أن القضية الأهم في السجال السوداني الراهن ليست هي تاريخ العلاقة في حد ذاته، بل الطريقة التي يجري بها توظيفه في الصراع السياسي الداخلي. فبدلاً من النظر إلى الحرب الدائرة في الإقليم بوصفها تطوراً خطيراً يهدد استقرار المنطقة ويقوّض مبدأ سيادة الدول، يجري أحياناً التعامل معها وكأنها امتداد مباشر للصراع بين القوى السودانية.

وهنا تظهر ظاهرة يمكن وصفها بـ«الشماتة السياسية المتبادلة». فبعض القوى المناهضة للإسلاميين والحكومة أبدت قدراً من الشماتة حين تعرضت الإمارات لضربات صاروخية، باعتبارها طرفاً يُنظر إليه بوصفه قريباً من الحكومة أو من بعض مكوناتها. وفي المقابل عبّرت بعض القوى المعارضة للحكومة عن قدر من الشماتة أيضاً انطلاقاً من الاعتقاد بأن الحرب على إيران تستهدف في نهاية المطاف حلفاء الحكومة أو الإسلاميين في المنطقة.

ثم جاء قرار تصنيف الحركة الإسلامية تنظيماً إرهابياً ليضيف بعداً جديداً لهذا المشهد، إذ استُقبل القرار لدى بعض الأطراف بوصفه انتصاراً سياسياً في الصراع الداخلي. وفي الوقت نفسه يدعو كثيرون أيضاً إلى تصنيف قوات الدعم السريع تنظيماً إرهابياً بسبب الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبت خلال الحرب الدائرة في السودان، وهو مطلب يجد صداه حتى في بعض النقاشات داخل دوائر القرار في الولايات المتحدة.

وفي الحالتين يتكرر المنطق نفسه: نقل الصراع السياسي من المجال الوطني إلى المجال الدولي أملاً في تحقيق ما عجزت السياسة الداخلية عن تحقيقه، مرة عبر الرهان على حرب إقليمية قد تُضعف الخصم، ومرة عبر التعويل على قرار تصنيف دولي يُراد له أن ينزع عنه الشرعية.

غير أن التجربة السودانية، كما تجارب عديدة في الإقليم، تشير إلى محدودية هذا الرهان. فالحروب الإقليمية لا تحسم الصراعات السياسية داخل الدول، كما أن التصنيفات الدولية لا تلغي وجود القوى السياسية في مجتمعاتها.

إن رفض الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران لا يعني تبرئة النظام الإيراني من سياساته أو من تدخلاته في صراعات إقليمية أخرى. لكن المبدأ الأساسي يظل واضحاً: إن استخدام القوة العسكرية ضد دولة ذات سيادة هو عمل عدواني، بغض النظر عن طبيعة النظام السياسي في تلك الدولة.

فالخلاف مع سياسات إيران، أو مع سياسات أي دولة أخرى، لا يبرر تحويلها إلى هدف لحرب خارجية. كما أن اختزال هذه الحرب في كونها مجرد مواجهة مع نظام سياسي معين يتجاهل حقيقة أنها جزء من صراع أوسع لإعادة تشكيل موازين القوة والنفوذ في الشرق الأوسط.

ولهذا فإن تحويل الحرب الدائرة في الإقليم إلى مناسبة للشماتة السياسية أو لتصفية الحسابات الداخلية لا يعكس فقط قراءة مبسطة للواقع الإقليمي، بل يكشف أيضاً عن استمرار منطق الإقصاء الذي ظل يطبع الحياة السياسية السودانية لعقود. فالخروج من الأزمة السودانية لن يأتي من نتائج حرب في الإقليم، ولا من قرارات تصنيف تصدر في عواصم بعيدة، بل من بناء قواعد وطنية لإدارة التعدد والخلاف داخل السودان نفسه.

خاتمة

وفي هذا السياق، يصبح من المفيد التذكير بنقاش أوسع حول ظاهرة اللجوء إلى التصنيفات الإرهابية بوصفها أداة في الصراع السياسي السوداني. ففي “ورقة نقاش” نشرتها في ديسمبر 2025 بعنوان “الإرهاب والإرهاب المضاد: التصنيف الإقصائي بدل السياسة” (سودانايل، 21 ديسمبر 2025)، طرحت جملة من الأسئلة أمام القيادات السياسية والمجتمعية: هل يمثّل التصنيف الإرهابي أداة واقعية لإنهاء الصراع، أم أنه يساهم في إطالته؟ وما أثر هذا المنهج على فرص بناء تسوية سياسية شاملة في السودان؟ وهل يؤدي تدويل الصراع عبر التصنيفات إلى حماية الدولة، أم إلى إضعافها؟ لم تجادل تلك الورقة في مشروعية المساءلة أو العدالة، لكنها ميّزت بين العدالة بوصفها مساراً سياسياً وقانونياً شاملاً، وبين التصنيف بوصفه أداة إقصاء ظرفية. وخلصت إلى أن أزمة السودان لا تكمن في غياب التصنيفات أو وفرتها، بل في ترسّخ منطق الإقصاء بوصفه أسلوباً لإدارة الصراع السياسي، وفي غياب مشروع سياسي تأسيسي قادر على إدارة التنوع والصراع خارج منطق الإلغاء.

واليوم، ومع تصاعد الحرب في الإقليم وتزايد الدعوات إلى استخدام أدوات التصنيف في الصراع السوداني، تبدو هذه الأسئلة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. فليس من المستبعد أن يتعمق الانقسام السياسي والمجتمعي أكثر إذا جاء قرار أمريكي آخر بتصنيف قوات الدعم السريع تنظيماً إرهابياً، وهو مطلب يطرحه كثيرون بالفعل حتى داخل أمريكا ولو تأجل إلى حين بحسب تقديرات الإدارة. وعندها قد تدخل البلاد جولة جديدة من «الشماتة السياسية» المتبادلة بين الفرقاء السودانيين.

لكن السؤال الأهم يظل قائماً: إلى متى سيظل الصراع السياسي في السودان يدور في هذه الحلقة المفرغة — من الإقصاء إلى الإقصاء المضاد، ومن التعويل على الفواعل الخارجية إلى استدعائها لحسم الصراعات الداخلية؟ إن كسر هذه الحلقة لا يمكن أن يتحقق عبر الحروب الإقليمية ولا عبر قرارات التصنيف الصادرة من الخارج، بل عبر بناء مشروع سياسي وطني قادر على إدارة التعدد والخلاف داخل السودان نفسه. فلا حرب في الإقليم، ولا قرار تصنيف في الخارج، يمكنه أن يحل مشكلة لم يحلّها السودانيون أنفسهم فيما بينهم.

اترك رد

error: Content is protected !!