موطئ قلم / د. اسامة محمد عبدالرحيم

الحرب على إيران… البحر الأحمر بين الارتدادات الاستراتيجية وجاهزية الدولة السودانية

عقيد بحري ركن (م) د. اسامة محمد عبدالرحيم

لا يمكن النظر إلى المواجهة الأمريكية–الإسرائيلية من جهة مع إيران من جهة اخرى، بوصفها حدثًا عسكريًا محدودًا يمكن قراءته في إطار الضربات المتبادلة أو رسائل الردع التقليدية، بل تحولت المواجهة إلى مرحلة إقليمية فارقة من النزاعات و الصراعات أعادت تعريف قواعد الاشتباك، ووسّعت مسارح التأثير من البر والجو إلى البحر والاقتصاد والفضاء السيبراني. ومع دخول إيران على خط الرد عبر ضربات طالت إسرائيل وعددًا من الدول في الإقليم، لم يعد السؤال من بدأ؟ بل أصبح السؤال إلى أين يتجه النظام الإقليمي؟

هذه الحرب لا تترك آثارها فقط في طهران وتل أبيب وواشنطن، بل يمتد الأثر كذلك إلى البحر الأحمر، وإلى موانئه، وإلى سواحله، وإلى الدول المطلة عليه، وعلى رأسها السودان الذي يقف قريباً من هذا القوس الجيوسياسي المشتعل.

وقبل المضي أبعد، لا بد من التمييز والتفريق بين مفهومي “التأثير والانعكاس”، اللذين كثيراً ما يُستخدمان بالتبادل وأحياناً بالتزامن دون تدقيق:
فالأول التأثير، وهو الأثر المباشر الناتج عن الفعل العسكري أو السياسي، كتعطل الملاحة، أو ارتفاع أسعار التأمين، أو تصاعد الوجود العسكري البحري.
والثاني الانعكاس، وهو الأثر غير المباشر الذي يُعيد تشكيل البيئة الاستراتيجية، مثل إعادة ترتيب التحالفات، أو تغيّر سياسات الموانئ، أو تعديل العقائد الأمنية للدول المطلة على البحر.
فالتأثير يحدث بسرعة، أما الانعكاس فيتراكم ببطء، لكنه أعمق وأطول مدى.

جملة من التأثيرات المباشرة يمكن ان تحدث جراء هذه الحرب على البحر الأحمر، بداية من ارتفاع رسوم “مخاطر الحرب” على السفن، وإعادة تقييم شركات الشحن لمساراتها، كذلك تعزيز الوجود العسكري في بعض النقاط الحساسة، مع تصاعد القلق حول المضائق والممرات الحيوية.

البحر الأحمر ليس مسرحًا رئيسيًا للقتال، لكنه شريان عالمي للطاقة والتجارة. وأي اضطراب في الخليج أو شرق المتوسط يُترجم سريعًا إلى توتر في هذا الشريان.

كما أن هناك حزمة من الانعكاسات الاستراتيجية الخطيرة و الحادة قد تلقيها الحرب، لكن أخطرهاعلى الإطلاق يتمثل في:
إعادة تعريف البحر الأحمر كحزام أمني لا مجرد ممر ملاحي.
تعزيز سباق القواعد والترتيبات الأمنية.
تحويل بعض دول القرن الإفريقي إلى مساحات نفوذ غير مباشر.
وأخيراً إدخال أدوات غير تقليدية مثل الحرب السيبرانية البحرية أو الضغط التأميني.

بمعنى آخر، فإن البحر الأحمر قد يتحول تدريجيًا إلى جزء أساسي من معادلة الردع الإقليمي، لا مجرد خلفية جغرافية.

ولعل الأخطر من كل ذلك، أن ما يجري لا يمكن عزله عن مسار أوسع أساسي يهدف لإعادة هندسة المجال الحيوي الاستراتيجي الممتد من شرق المتوسط إلى الخليج ثم البحر الأحمر والقرن الإفريقي. فنحن أمام محاولة لإعادة رسم خرائط النفوذ لا بالحدود السياسية، بل بأحزمة الردع، ومسارات الطاقة، وممرات التجارة، ونقاط الارتكاز البحري. وفي مثل هذه المنعطفات، لا تُقاس قوة الدول فقط بقدراتها العسكرية، بل بقدرتها على تثبيت موقعها داخل هذه الخرائط الجديدة ومنع تآكل مجالها الحيوي أو اختراقه. ومن هنا، يصبح البحر الأحمر حلقة مركزية في معادلة إقليمية آخذة في التشكل، لا هامشًا جغرافيًا على أطراف الصراع.

والسودان من ناحيةٍ أخرى لا يقف خارج هذه المعادلة، بل يتوسد مركزها الجغرافي، مما يستدعي للاعتبار جملة من المهددات المباشرة على نحو:
ارتفاع تكلفة الواردات (وقود، قمح، دواء).
الضغط الإضافي على العملة الوطنية.
احتمال استهداف غير مباشر للموانئ أو أي تعطيل لوجستي.
الأنشطة الاستخبارية أو محاولات اختراق في بيئة ساحلية حساسة.
كذلك يمكن ان يجابه السودان بعض المهددات غير المباشرة من شاكلة محاولة استقطاب السودان لمحور معين، استخدام هشاشة الوضع الداخلي كورقة ضغط، وتنشيط اقتصاد التهريب والسلاح في الغرب والشرق.
وفي ظل حرب داخلية، تصبح الدولة أكثر عرضة لتحويل أراضيها إلى منصة رسائل غير مباشرة بين أطراف الصراع او ساحة خلفية للصراع.

أما بالنظر إلى المهددات المتوقعة فلا يمكن تجاوز الآتي:
احتمالات عسكرة أكبر للبحر الأحمر.
تصاعد حرب التأمين والرسوم بدل المواجهة العسكرية المباشرة.
توسع استخدام الوكلاء.
ضغوط اقتصادية مركبة على الدول الهشة.
احتمال خطأ تكتيكي يتحول إلى تصعيد غير محسوب.
فالبيئة الحالية بيئة “استنزاف مُدار”، لكنها كذلك بيئة عالية القابلية للانزلاق.

ورغم كل هذه المخاطر، فإن الأمر لا يخلو كذلك من فرص خلقها الصراع في هذه المرحلة، منها على سبيل المثال لا الحصر:
امكانية تقديم السودان كعامل استقرار ملاحي،
فإذا استطاع السودان تأمين ساحله وموانئه، فإنه يتحول من ساحة محتملة إلى شريك ضروري في حماية الممرات.
وكذلك إعادة إحياء مفهوم اقتصاد البحر، حيث أن الاستثمار في البنية التحتية البحرية واللوجستية يمكن أن يحول ميناء بورتسودان إلى عقدة إمداد بديلة في لحظات التحول.
كما يمكن تعزيز الدبلوماسية الوقائية من خلال التحرك المبكر في المحافل الدولية يمنح السودان موقع الدولة المسؤولة، لا الدولة المنفعلة.
و أخيراً يمكن إعادة صياغة العقيدة الأمنية البحرية، حيث ان هذه المرحلة قد تكون مناسبة لإعادة هيكلة منظومة الأمن الساحلي والبحري ضمن رؤية وطنية طويلة الأمد.

وإن كان من ثمة وصية للقيادة السياسية والعسكرية في السودان، فإنه يجب التنبيه إلى ضرورة تحصين الساحل والموانئ أمنياً وتقنياً، منع استخدام الأراضي السودانية في أي عمل عدائي، إدارة خطاب سياسي متزن لا ينجر للاستقطاب، تنشيط الدبلوماسية مع دول الخليج والقرن الإفريقي، واعتبار البحر الأحمر أولوية أمن قومي لا ملفًا قطاعيًا موسمياً. فالسودان اليوم لا يحتاج إلى اصطفاف، بل يحتاج إلى إدارة ذكية للمخاطر وتحويل الجغرافيا إلى رافعة لا عبء.

الحرب على إيران وما تبعها من ضربات متبادلة لا يمكن احتسابها مجرد مواجهة عسكرية قد تأخذ دورتها و تنقضي أيامها ، بل هي مرحلة مفصلية في إعادة تشكيل النظام الإقليمي. والبحر الأحمر كذلك ليس متفرجاً ولا منصة مشاهدة، بل هو أحد مسارح الارتداد الاستراتيجي الهامة.

أما السودان، فهو يقف في منطقة حساسة ما بين أن يُستدرج إلى دوائر الضغط، أو أن يعيد تعريف نفسه كعامل استقرار في زمن الاضطراب. فالقرار ليس في الجغرافيا، بل في كيفية إدارتها وإحسان استخدامها. ودوماً في أوقات التحولات الكبرى، فإن الدول التي تنجو ليست الأقوى عسكرياً أو إقتصادياً، بل تنجو الدول الأوفر جاهزية، والأكثر وعياً بموقعها في الخريطة والأعلى إدراكاً لإمكاناتها الحقيقية.

الثلاثاء 3 مارس 2026م

اترك رد

error: Content is protected !!