[ الحرب على إيران 2026 ] : صعود التحالفات المرنة وتراجع النظام الدولي التقليدي

في مارس ٢٠٢٦، يشهد النظام الدولي التقليدي – القائم على الاتفاقيات الدولية الثابتة، والمنظمات متعددة الأطراف مثل الأمم المتحدة ومنظمة التجارة العالمية، والتحالفات الاستراتيجية الدائمة مثل حلف شمال الأطلسي – مرحلة تراجع واضحة.
عدد متزايد من الباحثين في العلاقات الدولية يرى أن هذا النظام لم يعد قادراً على إدارة الأزمات الكبرى كما كان في السابق.
في المقابل، يظهر نمط جديد من التعاون بين الدول يُعرف باسم التحالفات المرنة (Minilateralism)، وهي مجموعات صغيرة من الدول – غالباً بين ثلاث وسبع دول – تتشكل بسرعة للتعامل مع قضية محددة، ثم قد تتغير أو تتفكك عندما تتغير المصالح.
هذا التحول يعكس انتقال النظام الدولي من تحالفات ثابتة طويلة الأمد إلى شبكات تعاون مرنة تقوم على المصالح المباشرة.
ويرى بعض الباحثين أن هذا التحول قد يعكس أيضاً بداية تآكل النظام الدولي الليبرالي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية عام ١٩٤٥، والذي اعتمد على مؤسسات متعددة الأطراف وقواعد دولية مشتركة لإدارة العلاقات بين الدول. ومع تصاعد المنافسة بين القوى الكبرى، تبدو تلك المؤسسات أقل قدرة على ضبط التفاعلات الدولية مقارنة بما كانت عليه في العقود السابقة.
لماذا يتراجع النظام التقليدي؟
هناك عدة عوامل رئيسية وراء هذا التحول، ويمكن تلخيصها على النحو التالي:
١. تراجع الالتزام الأمريكي بالمؤسسات الدولة، فمع عودة سياسة “أمريكا أولاً” بشكل أكثر وضوحاً في ٢٠٢٥–٢٠٢٦، أصبحت واشنطن أكثر تحفظاً تجاه الالتزامات الدولية الطويلة، وأقل حماساً للاعتماد على المؤسسات متعددة الأطراف.
٢. شلل المؤسسات الدولية، حيث أصبحت الأمم المتحدة، وخاصة مجلس الأمن، عاجزة عن اتخاذ قرارات حاسمة في كثير من الأزمات الكبرى، كما حدث في الحرب الأوكرانية والحرب في غزة، ثم في الحرب على إيران.
كما تعاني منظمة التجارة العالمية من تعثر كبير في حل النزاعات الاقتصادية بين القوى الكبرى.
٣. صعود قوى دولية منافسة، إذ تعمل الصين وروسيا على بناء أطر تعاون موازية، مثل مجموعة بريكس الموسعة وبنك التنمية الجديد، مما يقلل من مركزية المؤسسات التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية.
كما تفضل الصين في كثير من الأحيان نمط الشراكات المرنة والشبكات الاقتصادية بدلاً من التحالفات العسكرية الصلبة، وهو ما يعزز الاتجاه العالمي نحو ترتيبات تعاون أكثر مرونة.
التحالفات المرنة: البديل العملي:
في هذا السياق بدأت تظهر تحالفات صغيرة ومحددة الهدف
هذه التحالفات لا تقوم على التزامات دائمة أو تحالفات أيديولوجية، بل على توافق مؤقت حول مصلحة مشتركة، ومن أبرز الأمثلة على تلك التحالفات:
AUKUS
تحالف بين الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا للتعاون العسكري والتكنولوجي، خاصة في المجال البحري والنووي.
QUAD
مجموعة تضم الولايات المتحدة واليابان وأستراليا والهند، وتركز على التنسيق الأمني في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
I2U2
شراكة بين الهند وإسرائيل والإمارات والولايات المتحدة، تركز على التعاون الاقتصادي والتكنولوجي.
السمة الأساسية لهذه التحالفات أنها أسرع في اتخاذ القرار وأقل تعقيداً من المؤسسات الدولية الكبرى.
الحرب على إيران ٢٠٢٦ كمثال تطبيقي للتحالفات المرنة:
اندلعت الحرب في ٢٨ فبراير ٢٠٢٦ عندما شنت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات عسكرية مشتركة على منشآت عسكرية ونووية داخل إيران (عملية Epic Fury الأمريكية وعملية Roaring Lion الإسرائيلية).
وردت إيران بهجمات صاروخية وطائرات مسيرة استهدفت مناطق في الخليج، وأعلنت عملية أطلقت عليها اسم “الوعد الحقيقي ٤”
أدى التصعيد إلى توتر شديد في منطقة الخليج، وإلى إغلاق فعلي لمضيق هرمز منذ بداية مارس ٢٠٢٦، مما تسبب في أكبر اضطراب نفطي منذ عقود وارتفاع حاد في أسعار النفط العالمية.
فشل النظام الدولي التقليدي:
خلال الأزمة عقد مجلس الأمن عدة جلسات طارئة، لكنه لم يتمكن من تمرير قرار شامل لوقف إطلاق النار بسبب الخلافات بين القوى الكبرى، خاصة مع تكرار الرفض الروسى – الصيني.
تم تمرير قرار يدين الهجمات على دول الخليج، لكن القرار لم يتضمن آليات تنفيذ حقيقية.
هذا المشهد يعكس مشكلة أساسية في النظام الدولي الحالي، فالمؤسسات موجودة، لكنها عاجزة عن فرض قرارات فعالة في الأزمات الكبرى.
كيف ظهرت التحالفات المرنة في هذه الحرب؟
أظهرت الحرب على إيران عدة نماذج واضحة للتحالفات المرنة، ويمكن استعراض ذلك على النحو التالي:
١. التعاون العسكري الأمريكي الإسرائيلى، حيث تمت الضربات الأولى من خلال تنسيق مباشر وسريع بين الولايات المتحدة وإسرائيل، دون الحاجة إلى قرار من حلف شمال الأطلسي أو تفويض من الأمم المتحدة.
هذا النموذج يُعرف أحياناً باسم “تحالف الراغبين”، أي مجموعة دول تقرر العمل معاً عندما ترى أن مصالحها تتطلب ذلك.
٢. التحالف البحري في البحر الأحمر وخليج عمان، إذ تقود الولايات المتحدة تحالفاً بحرياً يضم عدداً محدوداً من الدول مثل بريطانيا والبحرين وبعض الدول الأوروبية (فرنسا وهولندا بشكل جزئي)، في مواجهة تهديدات إيرانية محتملة للملاحة البحرية.
هذا التحالف ليس منظمة دائمة، بل قوة عمليات تشكلت لمهمة محددة هي حماية الملاحة في الممرات الاستراتيجية.
تقييم موقف دول الخليج العربي:
الدول الخليجية وجدت نفسها أمام معادلة معقدة، فهي من ناحية حليفة للولايات المتحدة وتعتمد على الاستقرار الأمني في المنطقة، لكنها من ناحية أخرى لا ترغب في الانخراط المباشر في حرب قد تهدد اقتصادها أو استقرارها الداخلي.
لذلك اتبعت دول مثل السعودية والإمارات سياسة براجماتية تقوم على المحاور التالية:
▪️التعاون مع الولايات المتحدة في بعض الجوانب العسكرية و الأمنية، مثل تبادل المعلومات الاستخباراتية وحماية الملاحة.
▪️تجنب الانخراط العسكري المباشر في الصراع.
ومع الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز منذ بداية مارس ٢٠٢٦، وما سببه من اضطراب نفطي كبير، أصبحت التحالفات المرنة وسيلة عملية لحماية الملاحة دون الدخول في تحالفات عسكرية دائمة قد تهدد الاستقرار الاقتصادي في الخليج.
لماذا تناسب التحالفات المرنة البيئة البحرية؟
تظهر أهمية هذا النمط بشكل خاص في المناطق البحرية، حيث تتطلب حماية الممرات الاستراتيجية مثل مضيق هرمز وباب المندب تشكيل مجموعات عمليات سريعة ومحددة المهمة.
ولهذا تصبح التحالفات الصغيرة أكثر قدرة على التحرك من المؤسسات الدولية الكبيرة التي تحتاج إلى إجراءات طويلة ومعقدة لاتخاذ القرار.
التحالفات المرنة بين المزايا والمخاطر:
أولاً : المزايا:
▪️السرعة في اتخاذ القرار.
▪️المرونة: يمكن تشكيل التحالف لمهمة محددة ثم تعديله أو إنهاؤه عندما تتغير الظروف.
▪️منح القوى الصغيرة والمتوسطة – مثل الإمارات والهند – دوراً أكبر في تشكيل الاستجابات الدولية.
ثانياً: المخاطر:
▪️تزايد التجزئة في النظام الدولي، حيث قد يتشكل عدد كبير من التحالفات الصغيرة المتنافسة.
▪️غياب المؤسسات القوية قد يزيد من احتمالات التصعيد خارج السياق المخطط، لأن الدول تتحرك بشكل أسرع وأقل التزاماً بالقيود الدولية .
نحو نظام دولي أكثر مرونة:
الحرب على إيران في عام ٢٠٢٦ لا تمثل مجرد صراع إقليمي، بل تكشف تحولاً أوسع في طريقة إدارة العلاقات الدولية.
النظام الدولي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية لم يختفِ تماماً، لكنه لم يعد الإطار الوحيد الذي تتحرك داخله الدول.
بدلاً من ذلك، يبدو أن العالم يتجه تدريجياً نحو نظام أكثر مرونة وتعددية، حيث تتشكل التحالفات حول قضايا محددة مثل أمن الطاقة أو حماية الممرات البحرية.
في هذا العالم الجديد، لم تعد التحالفات ثابتة كما كانت في الماضي، بل أصبحت أقرب إلى شبكات تعاون تتغير باستمرار وفق المصالح والظروف
ويبقى السؤال مفتوحاً: هل سيؤدي هذا التحول إلى نظام دولي أكثر واقعية وفعالية، أم إلى عالم أكثر اضطراباً وتنافساً؟
الإجابة ربما تتشكل الآن، يوماً بعد يوم، في مياه الخليج وفي جنوب البحر الأحمر.


