الرواية الأولى

نروي لتعرف

آفاق رقمية / د. محمد عبدالرحيم يسن

التوثيق والمعنى (5)

التحول الرقمي ليس سباق تقنية … بل شجاعة قرار

د. محمد عبدالرحيم يسن




في الحلقات السابقة، انتقلنا بالتوثيق من كونه إجراء إداريا إلى كونه أساسا لبناء الذاكرة الوطنية، ثم إلى سؤال الملكية والحوكمة والسيادة على المعلومة. وتبقى المسألة الجوهرية التي لا يجوز تأجيلها: كيف تتحول هذه الذاكرة إلى قرار؟ ومن يتحمل مسؤولية هذا التحول داخل الدولة؟
المعرفة التي لا تنعكس في القرار العام تفقد معناها، والذاكرة الوطنية التي لا تستثمر في السياسات العامة تتحول إلى عبء مؤسسي. من هنا فإن التحول الرقمي الحقيقي لم يعد شأنا تقنيا، بل اختبارا لطريقة فهم الدولة لنفسها، ولعلاقتها بالمعلومة، وبمواطنيها.
تقع المسؤولية الأولى على مجلس الوزراء بوصفه الجهة التي تملك توجيه البوصلة العامة للدولة، فالتحول الرقمي لا يدار عبر مبادرات متفرقة، بل عبر رؤية وطنية ملزمة، تربط بين التوثيق، والمعلومة، والحوكمة، والقرار، وتحدد بوضوح ما المطلوب من كل مؤسسة، وما الذي يجب أن يتوقف، وما الذي يجب أن يبدأ من جديد. دون هذا التوجيه المركزي، تتحول الرقمنة إلى جهد مشتت، وتضيع الذاكرة بين الوزارات.
وتتحمل وزارة العدل مسؤولية تأسيس الإطار القانوني الذي يحمي الذاكرة الوطنية من التأويل. فبلا قوانين واضحة، للهيئات العاملة وصلاحياتها على استخدام واستهلاك البيانات، والوثائق، والخصوصية، وحرية تداول المعلومات، تبقى الحوكمة الرقمية بلا سند، وتظل المعلومة رهينة للاجتهاد والنفوذ. القانون هنا ليس تنظيميا، بل شرطا للسيادة. ويبقى الأهم أن تتحمل آليات تنفيذ القانون مسؤوليتها الكاملة، حتى لا تتحول الرقمنة إلى أداة للتسلط الوظيفي ..
ويأتي بنك السودان المركزي في موقع محوري، لا بحكم دوره النقدي فقط، بل بحكم دوره المحوري في إدارة الأنظمة الحرجة، والدفع الإلكتروني، والبنية التحتية للثقة المالية.. المطلوب اليوم ليس تشغيل الأنظمة فقط، بل تقديم تجربة مصرفية حديثة بكاملها، واستخلاص دروس من ماضينا، وربطها برؤية سيادية لإدارة البيانات المالية، بما يخدم الاستقرار، والشفافية، والقرار الاقتصادي الرشيد.
أما الوزارات الخدمية والمؤسسات التابعة لها، فهي المصدر الأكبر للبيانات التي تمس حياة الناس مباشرة. الصحة، والتعليم، والمالية، ليست جهات تشغيل فحسب، بل منتجة للمعرفة الوطنية. المطلوب منها الانتقال من عقلية الامتلاك إلى عقلية الحراسة، ومن بناء أنظمة معزولة إلى المشاركة في ذاكرة وطنية موحدة، تخضع لقواعد واضحة للنفاذ، والاستخدام.
ويقع على وزارة التحول الرقمي والاتصالات، وأجسامها القديمة وهيئاتها الناشئة، واجب الانتقال من دور المشغل إلى دور المنسق الوطني. ليس مطلوبا منها امتلاك البيانات، ولا إدارة كل الأنظمة، بل وضع المعايير، وضبط التكامل، ومنع تكرار المنصات، وحماية الذاكرة الوطنية من التفكك. نجاح هذه الوزارة يقاس بقدرتها على توحيد الجهد، وسوف ترتكب الوزارة خطئا كبيرا حال توليها تشغيل الانظمة والمنصات ، فلا تكرروا التجربة فإنها قاسية…
ويكتمل المشهد بالقطاع الخاص الوطني، الذي راكم خبرة حقيقية في البرمجيات، والأنظمة، والخدمات الرقمية. إقصاؤه، أو التعامل معه كمورد عابر، يعني تفويت فرصة بناء قدرة وطنية مستدامة. المطلوب شراكة حقيقية، قائمة على الثقة، ونقل المعرفة، وتوطين الحلول، لا استيرادها جاهزة.
كما أن مؤسسات المجتمع المدني مطالبة بدور رقابي ومعرفي، يحفظ حق المجتمع في المعلومة، ويراقب استخدام البيانات، ويمنع تحول الرقمنة إلى أداة إقصاء أو تعتيم.
الدولة الرقمية لا تكتمل دون مجتمع واع يدرك أن المعلومة حق عام، ومسؤولية مشتركة.
إننا أمام مفترق لا يحتمل التأجيل، إما إعادة فهم الدولة بآليات عصرية، تقوم على ذاكرة موحدة، وحوكمة واضحة، وقرار مستند إلى معرفة، فنؤسس لدولة رقمية حديثة ذات سيادة رقمية. أو الاكتفاء بحوسبة الفوضى، وإعادة إنتاج الارتباك نفسه بأدوات أكثر تعقيدا،
الفرصة ما زالت قائمة، ولن تتكرر، والتحول الرقمي، في جوهره، ليس سباق تقنية، بل شجاعة قرار.

٢٨ يناير ٢٠٢٦م

تعليق واحد

اترك رد

error: Content is protected !!