
إستشراف المستقبل لم يعد يعتمد على الخبرة البشرية فقط وتحليل الاتجاهات العامة، بل دخل مرحلة جديدة تقوم على النماذج التنبؤية المدعومة بالذكاء الاصطناعي. الفرق هنا ليس في سرعة المعالجة فحسب، بل في القدرة على اكتشاف أنماط لا يمكن رصدها بالتحليل التقليدي.
في مرحلة إعادة الاعمار، تتداخل متغيرات عديدة: تحركات سكانية، تغير في أنماط الاستهلاك، ضغوط على البنية التحتية، وتقلبات اقتصادية حادة. هذه المتغيرات لا تتحرك بشكل منفصل، بل تؤثر في بعضها بعضا. أدوات الذكاء الاصطناعي لديها القدرة على تحليل هذا التشابك، وبناء نماذج تتعلم من البيانات المتجددة وتحدث توقعاتها باستمرار.
أحد التحولات المهمة هو الانتقال من التخطيط الدوري إلى التخطيط اللحظي. بدلا من مراجعة الخطط كل عام أو كل ستة أشهر، يمكن للأنظمة الذكية أن توفر مؤشرات آنية توضح تغير الاتجاهات. فعندما تبدأ كثافة سكانية بالارتفاع في منطقة معينة، يمكن رصد ذلك مبكرا من خلال بيانات التسجيل المدرسي أو استهلاك الخدمات، ما يسمح بالتحرك الاستباقي قبل ظهور الأزمة. كما أن النماذج التنبؤية تمكن من اختبار القرارات قبل تنفيذها. يمكن محاكاة أثر توجيه الموارد إلى قطاع معين، أو تأجيل مشروع ما، ورؤية الانعكاسات المحتملة على بقية القطاعات. هذا النوع من المحاكاة يقلل كلفة الخطأ.
في السياق السوداني، تكمن أهمية هذه الأدوات في إدارة الندرة بذكاء. عندما تكون الموارد محدودة، يصبح القرار الدقيق أكثر قيمة من القرار السريع. الذكاء الاصطناعي لا يقدم يقينا مطلقا، لكنه يقلل مساحة التخمين ويوسع نطاق الرؤية.
غير أن القيمة الحقيقية لا تتحقق إلا إذا توفرت ثلاثة شروط: بيانات ذات جودة، كوادر قادرة على تفسير النتائج، وإرادة مؤسسية لتعديل المسار عند الحاجة. فبلا هذه العناصر، تبقى التقنيات مجرد أدوات.
المستقبل لن ينتظر اكتمال الاستقرار الكامل حتى يبدأ بالتشكل. إنه يتكون بالفعل عبر مؤشرات صغيرة قد لا ننتبه إليها. والقدرة على قراءة هذه المؤشرات مبكرا هي ما يميز المؤسسات القادرة على التعافي السريع عن تلك التي تظل أسيرة رد الفعل.
في المقال القادم، ننتقل إلى سؤال عملي: من أين تبدأ مؤسسة محدودة الإمكانات إذا أرادت إدخال التحليل التنبئي في عملها دون تعقيد تقني أو كلفة مرتفعة؟
٢١ فبراير ٢٠٢٦م


