الرواية الأولى

نروي لتعرف

من زاويةٍ أخري / محمد الحاج

إعادة تشكيل المشهد السياسي: قراءة في جدل التشاور وتوازن القوى (المجلس التشريعي الانتقالي)

محمد الحاج

منذ مطلع العام ٢٠٢٤م، وبالرغم من الظروف الحانكة التي تحيط بالدولة السودانية جراء حرب ١٥ أبريل ٢٠٢٣، بدأنا ننادي كمستقلّين باستعادة السلطات التشريعية والتنفيذية، وذلك من خلال تشكيل الحكومة الانتقالية وتعيين رئيس مجلس وزراء، وتعيين قضاة المحكمة الدستورية والأجهزة العدلية الأخرى، ثم البدء في عملية تشكيل المجلس التشريعي الانتقالي، وذلك حتى تتم عملية استشفاء الدولة السودانية داخليًا لمواجهة التحديات الوجودية. وفي هذا الإطار، تقدمنا بعدة مقترحات وكتابات تشير إلى أهمية تشكيل المجلس التشريعي الانتقالي باعتباره خطوة أساسية لتحقيق الاستقرار الداخلي للدولة السودانية.

تطرقت في عدة مقالات سابقة مسالة الاطر التشريعية و اهميتها لاستعادة الاستقرار وصولا إلي مقالي الأخير بتاريخ ٦ أكتوبر ٢٠٢٥م، تحت عنوان المجلس التشريعي الغائب: مفصل الانتقال الديمقراطي ومواجهة التحديات السيادية، و الذي عللت فيه أن الفراغ التشريعي يمثل مسألة خطيرة، خصوصًا في ظل الظروف الراهنة. ومن هذا المنطلق، نتناول اليوم من خلال هذا المقال الخبر الذي نُشر عبر قناة الشرق تاريخ ٢٧ يناير ٢٠٢٦ حول الاجتماع الذي دعت إليه الكتلة الديمقراطية بدعوة من السيد رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبدالفتاح البرهان، والذي طلب من الكتلة تقديم خارطة طريق لتشكيل المجلس التشريعي الانتقالي. كما نتناول انعكاسات هذا الخبر على المشهد السياسي، وهو ما عبّر عنه الأستاذ محمد وداعة في مقاله الصادر اليوم تحت عنوان (الإطاري بتاع جماعتنا)، والذي أشار فيه إلى عدد من النقاط والتساؤلات والمقترحات المتعلقة بمسار الاستقرار الداخلي.

وفي مطلع الأخبار الصادرة بالأمس، تصدّر خبر عقد رئيس مجلس السيادة اجتماعًا تشاوريًا مع الكتلة الديمقراطية، وذلك في إطار بحث خارطة طريق لتكوين المجلس التشريعي الانتقالي. وإن صحّ هذا الخبر، فإنه—بحسب تعبير قوى سياسية داعمة لمسار الاستقرار—يمثل خطوة إيجابية في اتجاه تعزيز عملية الانتقال واستعداد الدولة لمرحلة ما بعد الحرب. غير أن هذه القوى نفسها أبدت ملاحظاتها بشأن اقتصار التشاور على الكتلة الديمقراطية دون إشراك القوى السياسية التي ظلت داعمة للدولة وجيشها طوال فترة الحرب، وما تزال تدفع باتجاه تعزيز الاستقرار الداخلي.

وترى هذه القوى أن الصيغة التي ظهرت في الاجتماع الأخير تشبه ما عُرف سابقًا بـ “الكتلة الديمقراطية +”، وهي صيغة سبق أن رُفضت من داخل الكتلة نفسها، ولا تعكس رأي الغالبية التي تطالب بعملية حوارية شاملة تُفضي إلى خارطة طريق واضحة لتشكيل المجلس التشريعي الانتقالي، بما يضمن ولادة توافق داخلي يدعم المؤسسات الدستورية والسياسية والتشريعية والتنفيذية، ويعزز مسار الإصلاح الدستوري وتحقيق تطلعات الشعب السوداني.

ولعل مقال الأستاذ محمد وداعة، الصادر بتاريخ ٢٧ يناير، وهو نائب رئيس حزب البعث السوداني وعضو الكتلة الديمقراطية ورئيس كتلة العودة لمنصة التأسيس، كان من أكثر المقالات توسعًا في تحليل المخاطر المحتملة التي قد تترتب على تسريب خبر الاجتماع. وقد أشار إلى أن مثل هذه الخطوات قد تنعكس سلبًا على العملية السياسية، خصوصًا في ظل التصريحات الصادرة عن تحالف سودان العدالة (تسع). فقد تناول الأستاذ وداعة عددًا من النقاط المفصلية، معبّرًا عن مخاوف من إعادة إنتاج أطر سياسية إقصائية تحت مسمى جديد، وهو ما قد يهدد اللحمة الوطنية ويعيد البلاد إلى مربع الأزمات التي ساهمت سابقًا في انسداد الأفق السياسي وتصاعد النزاع.

كما تناول الأستاذ وداعة أحقية السيد رئيس مجلس السيادة في إجراء أي عملية تشاورية في إطار استعادة الاستقرار الداخلي، إلا أنه أشار إلى أن تضييق دائرة التشاور قد يؤدي إلى نتائج عكسية، وأن الصبر على الخلافات السياسية قد يكون أفضل من تجاوزها بانتقائية. ويرى أن أي محاولة لإعادة إنتاج “إطاري جديد” قد تُفقد العملية السياسية ثقة الأطراف وتزيد من حدة الانقسامات، رغم حسن نية الرئيس في اتخاذ خطوات تهدف إلى معالجة الوضع السياسي.

ويرى الأستاذ وداعة أن الحوار السوداني – السوداني هو الإطار الأمثل لتكوين المجلس التشريعي، لما يتيحه من مشاركة أوسع للقوى السياسية والمكونات الاجتماعية والأهلية، ولأنه يمثل الطريق الأكثر واقعية لتجاوز الخلافات، خاصة فيما يتعلق بمرحلة ما بعد الحرب.

ونحن نتفق مع هذا الطرح الذي يعلي من شأن الحوار السوداني – سوداني، لما يحمله من تعزيز لدور الجماعة الوطنية في معالجة المعضلات التاريخية وتحقيق الاستقرار الداخلي، عبر توسيع دائرة المشاركة في اتخاذ القرار. فالتوسيع الحقيقي للمشاركة—خصوصًا في ظل الظروف الراهنة—يعزز قدرة الدولة على اتخاذ قرارات رشيدة، ويقوي محور بناء الثقة الذي يمثل أحد أهم عناصر نجاح أي عملية سياسية.

كما نتفق مع ما ذهب إليه الأستاذ وداعة بشأن ضرورة الاستفادة من التجارب التاريخية لتجنب تكرار الأخطاء، خصوصًا في القضايا ذات الطابع التشريعي. ومن المهم العمل على بناء منهج توافقي جديد يمنع تكرار الإخفاقات السابقة، ويفوّت الفرصة على أي محاولات لإعادة البلاد إلى مربع عدم الاستقرار. وقد ظهرت بوادر تستدعي الانتباه، من بينها الدعوات الدولية المتزايدة لفرض هدنة إنسانية، وهي دعوات تخشى بعض القوى السياسية أن تُستغل بطريقة قد تؤدي إلى إعادة تمكين مليشيا الدعم السريع داخل الإطار السياسي للدولة.

ومن هنا تبرز أهمية إجراء مراجعات لمسار المشاورات السياسية، بما يزيل حالة الارتباك التي نتجت عن الاجتماع الأخير، ويعزز الثقة بين القوى السياسية والسيد رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبدالفتاح البرهان. ويأتي ذلك من خلال إشراك جميع القوى السياسية والمدنية والأهلية في أي عملية حوار تتعلق بتشكيل المجلس التشريعي الانتقالي، على أن تكون هذه الحوارات جزءًا من عملية الحوار السوداني الشامل، وأن تكون الوثيقة الدستورية المعدلة ٢٠٢٠م هي المرجعية الأساسية لتكوين المجلس التشريعي.

فالاستناد إلى نصوص الوثيقة الدستورية المعدلة للعام ٢٠٢٠م، وخاصة الفصل السابع المادة ٢٢ المتعلقة بتشكيل وصلاحيات المجلس التشريعي الانتقالي، يجعل الجميع يقف في صف واحد تجاه استكمال مؤسسات الدولة الانتقالية. كما أن أي تعديلات مستقبلية ينبغي أن تتم ضمن الإطار الدستوري وبعد تشكيل المجلس التشريعي، وبما يضمن مشاركة جميع القوى السياسية والمدنية والأهلية في بناء الإطار التشريعي للدولة.


٢٧ يناير ٢٠٢٦ م

اترك رد

error: Content is protected !!