أمن الطاقة والمضايق الدولية في الاستراتيجية الأمريكية: من مضيق هرمز إلى البحر الأحمر!؟

يشكّل أمن المضايق الدولية أحد الأعمدة الصلبة في بنية الأمن القومي الأمريكي، بوصفها نقاط اختناق (Chokepoints) تتحكم في تدفقات الطاقة والتجارة العالمية. وفي مقدمة هذه المضايق يبرز مضيق هرمز كأهم شريان لنقل النفط عالمياً، إلى جانب باب المندب الذي يربط البحر الأحمر بـ المحيط الهندي، ويمثل حلقة وصل حيوية نحو قناة السويس.
أولاً: المضايق الدولية كمرتكز للأمن القومي الأمريكي
تنظر الولايات المتحدة إلى هذه المضايق بوصفها بنية تحتية استراتيجية للنظام الدولي، وليست مجرد ممرات مائية. فالتحكم في أمنها يعني ضمان استقرار أسواق الطاقة، ومنع أي قوة معادية من استخدام سلاح الإغلاق أو التعطيل. ومن هنا، ارتبط الوجود العسكري الأمريكي تاريخياً بحماية هذه النقاط الحساسة، خاصة في الخليج العربي والبحر الأحمر.ولكن الذي كشفته هذه الحرب الثلاثية مضيق هرمز الذي يستقبل ٢٠٪ من حركة التجارة العالمية.
في مضيق هرمز، تتجلى هذه الأهمية بوضوح، حيث يمر جزء كبير من صادرات النفط العالمية، ما يجعل أي تهديد له بمثابة تهديد مباشر للاقتصاد العالمي. أما في باب المندب، فتبرز الأهمية في كونه حلقة ربط بين الشرق الأوسط وأوروبا، بما يعزز موقع البحر الأحمر كممر استراتيجي مزدوج الوظيفة: طاقي وتجاري يشمل كل سلاسل الامداد.
ثانياً: العقيدة الأمريكية—حرية الملاحة والردع البحري
ترتكز المقاربة الأمريكية على مبدأ حرية الملاحة كقاعدة قانونية واستراتيجية، مدعومة بقدرات بحرية متقدمة وانتشار دائم في محيط هذه المضايق. وتُترجم هذه العقيدة إلى:
• ردع أي محاولة لإغلاق المضايق، خاصة من قبل قوى إقليمية مثل إيران في هرمز وخليج عمان .
• تأمين خطوط الإمداد عبر وجود عسكري مرن وقابل للتصعيد.
• بناء تحالفات بحرية لضمان تقاسم الأعباء وتعزيز الشرعية الدولية.
ثالثاً: التهديدات المتصاعدة—من الدول إلى الفواعل غير الدولتية
تواجه هذه الاستراتيجية تحديات مركبة. ففي مضيق هرمز، يتمثل التهديد الرئيسي في التوترات مع إيران، التي تلوّح دورياً بإمكانية إغلاق المضيق أو تعطيله كأداة ضغط جيوسياسي.
أما في باب المندب، فقد انتقل التهديد إلى نمط أكثر تعقيداً، حيث تلعب جماعة الحوثيون دوراً متزايداً في استهداف السفن باستخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ، ما يعكس تحولاً نحو حروب غير متماثلة يصعب احتواؤها بالوسائل التقليدية.
رابعاً: التنافس الدولي—تدويل المضايق وتقويض الاحتكار
لم تعد الولايات المتحدة الفاعل الوحيد في تأمين هذه المضايق. فقد وسّعت الصين حضورها البحري، خاصة في البحر الأحمر عبر قاعدتها في جيبوتي، ضمن رؤية تربط الأمن البحري بمصالحها التجارية العالمية. كما تسعى روسيا إلى تعزيز وجودها في الممرات الدافئة، بما في ذلك محاولاتها في بورتسودان.
هذا التزاحم يعكس تحولاً نحو “تدويل أمن المضايق”، حيث لم يعد الضبط الأمني حكراً على قوة واحدة، بل أصبح مجالاً للتنافس والتنسيق في آن واحد.
خامساً: المقاربة الدولية البديلة—تعددية أمنية في طور التشكل
في ضوء هذا التحول، تتشكل مقاربة دولية تقوم على تعددية الفاعلين وتقاسم المسؤوليات. تسعى الصين إلى دمج أمن المضايق ضمن مبادرة الحزام والطريق، بينما تعمل روسيا على توظيف حضورها البحري لتعزيز نفوذها الجيوسياسي.
إقليمياً، تحاول دول مثل السعودية ومصر بناء أطر تعاون جماعي، كما في مجلس الدول العربية والإفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، لتأمين البحر الأحمر ومضايقه.
غير أن هذه المقاربة تواجه تحديات تتعلق بتضارب المصالح، وغياب آليات ملزمة، واستمرار هشاشة بعض الدول المشاطئة مثل اليمن والسودان، ما يحدّ من فعاليتها كبديل متكامل.
سادساً: معضلة الاستدامة الأمريكية
تواجه واشنطن تحدياً مزدوجاً: الحفاظ على هيمنتها في هذه المضايق، مع تقليل كلفة الانتشار العسكري، خاصة في ظل تركيزها الاستراتيجي على المحيطين الهندي والهادئ. وهو ما يدفعها إلى تبني نماذج أكثر مرونة تقوم على الشراكات وتقاسم الأعباء.
سابعاً: التحديات
تكشف ديناميات مضيق هرمز وباب المندب أن أمن الطاقة لم يعد مجرد مسألة تدفق موارد، بل أصبح رهينة توازنات معقدة بين الردع، والتنافس الدولي، وصعود الفواعل غير الدولتية.
وفي هذا الإطار، لم تعد الاستراتيجية الأمريكية قادرة على العمل بمنطق الهيمنة المنفردة، بل باتت مضطرة للتكيف مع نظام دولي أكثر تعددية، حيث تتقاطع المصالح وتتنافس الإرادات على التحكم في أهم مفاصل الاقتصاد العالمي: المضايق الدولية.
خاتمة تحليلية
وفي هذا السياق، تبدو الولايات المتحدة أمام معادلة أكثر تعقيدًا مما كانت عليه في العقود السابقة؛ إذ لم يعد تأمين المضايق الدولية يتم عبر التفوق العسكري وحده، بل عبر القدرة على بناء شرعية دولية وتحالفات قادرة على تحمّل كلفة الصراع واستدامته. غير أن التطورات الأخيرة تكشف صعوبة متزايدة في انتزاع غطاء أممي واسع، لا سيما تحت الفصل السابع، في ظل اتساع الجدل حول مشروعية الحرب وتداعياتها على الأمن والاستقرار الدوليين.
كما أن أي محاولة لتمرير قرار حاسم عبر مجلس الأمن تصطدم بواقع التوازنات الدولية الجديدة، حيث تبدو كل من الصين وروسيا أكثر استعدادًا لاستخدام حق النقض لحماية مصالحهما الاستراتيجية ومنع تكريس نموذج أحادي لإدارة الأمن العالمي. وهذا ما يعكس انتقال الصراع من مجرد مواجهة حول حرية الملاحة وأمن الطاقة إلى صراع أوسع على شكل النظام الدولي نفسه، وحدود النفوذ الأمريكي، وطبيعة التوازنات التي ستتحكم في الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة.
وعليه، فإن مضيقي هرمز وباب المندب لم يعودا مجرد ممرين بحريين لعبور النفط والتجارة، بل تحولا إلى مختبر جيوسياسي مفتوح لإعادة تشكيل موازين القوة الدولية، حيث تتقاطع حسابات الردع، والطاقة، والممرات البحرية، وصعود القوى الدولية والإقليمية، في عالم يتجه تدريجيًا نحو تعددية أكثر صلابة وأقل قابلية للهيمنة المنفردة.
——————
٧ مايو ٢٠٢٦ م



