آفاق رقمية / د. محمد عبدالرحيم يسن

USSD أسرع طريق للتحول الرقمي

د. محمد عبدالرحيم يسن




في مراحل التعافي وإعادة البناء لا تكون الأولوية دائما للحلول التقنية المتقدمة، وإنما للحلول العملية القادرة على الوصول إلى أكبر عدد من الناس بسرعة وكلفة منخفضة. وفي هذا السياق يأتي إعلان وزارة التحول الرقمي والاتصالات، جهاز تنظيم الاتصالات والبريد في السودان إطلاق خدمة USSD عبر شركات الاتصالات، خطوة يمكن أن تسهم في إعادة تشغيل عدد من الخدمات الرقمية في البلاد في مرحلة ما بعد الحرب. ورغم أن هذه الخدمة قد تبدو جديدة للبعض فإنها في الواقع من التقنيات المعروفة في عالم الاتصالات، إذ يعود ظهورها إلى منتصف تسعينات القرن الماضي مع انتشار شبكات الهاتف المحمول الرقمية، أي أن عمرها اليوم يقارب ثلاثة عقود. وقد استخدمت في بداياتها في خدمات بسيطة مثل الاستعلام عن الرصيد أو تفعيل بعض خدمات الشبكة.

بصورة مبسطة تتيح خدمة USSD للمستخدم الوصول إلى خدمات مختلفة عبر الهاتف المحمول باستخدام كود قصير مثل:*123#
وبمجرد إدخال الكود تظهر قائمة على الشاشة يمكن من خلالها اختيار الخدمة المطلوبة مثل الاستعلام عن الرصيد أو تحويل الأموال أو دفع الفواتير. وتمتاز هذه الخدمة بأنها لا تحتاج إلى اتصال بالإنترنت كما أنها تعمل على جميع أنواع الهواتف بما فيها الهواتف العادية، وهو ما يمنحها قدرة كبيرة على الوصول إلى شريحة واسعة من المستخدمين.
من الناحية الاقتصادية تعد هذه التقنية من أقل الخدمات الرقمية تكلفة مقارنة بالتطبيقات الذكية. فالتطبيقات تعتمد على الإنترنت واستهلاك البيانات إضافة إلى الحاجة لهواتف ذكية. أما خدمة USSD فتعتمد على شبكة الهاتف المحمول فقط، وغالبا ما تكون تكلفة استخدامها في حدود تكلفة رسالة قصيرة أو أقل، مما يجعلها مناسبة لقطاعات واسعة من المجتمع خاصة في البيئات التي يكون فيها الإنترنت محدودا أو مكلفا.
التجربة الإفريقية تقدم مثالا واضحا على أهمية هذه التقنية. ففي كينيا بدأت الطفرة الحقيقية عام 2007 عندما أطلقت شركة سفاري كوم خدمة الدفع عبر الهاتف المحمول M-Pesa، التي اعتمدت بصورة كبيرة على تقنية USSD. وقد مكن ذلك ملايين الكينيين من تحويل الأموال ودفع الفواتير وإجراء معاملات مالية عبر هواتف بسيطة حتى في المناطق الريفية التي لا تتوفر فيها خدمات مصرفية تقليدية.
أما في السودان فقد ظهرت هذه التقنية مع توسع شبكات الهاتف المحمول في بداية الألفية، حيث استخدمتها شركات الاتصالات السودانية ، في خدمات محدودة مثل الاستعلام عن الرصيد أو شحن الهاتف. والفرق اليوم أن التوجه الجديد يسعى إلى توسيع استخدام هذه الخدمة لتشمل الخدمات المصرفية والمالية والخدمات الحكومية.
ومن زاوية الأمان تعتمد خدمات USSD على اتصال مباشر بين الهاتف وأنظمة شركات الاتصالات دون تخزين البيانات على الجهاز، كما أن معظم المعاملات المالية عبرها تتطلب إدخال رقم سري لإتمام العملية. وتعتبر خدمات USSD آمنة إلى عند استخدامها عبر القنوات الرسمية مع المحافظة على سرية الرقم السري.
إن أهمية هذه الخدمة تكمن في قدرتها على توسيع الوصول إلى الخدمات الرقمية. خلال الفترة القادمة يمكن يمكن الاستفادة من هذه الخدمة وتوظيفها في تحويل الأموال ودفع الفواتير والخدمات الحكومية إضافة إلى استخدامها في قطاعات مهمة مثل الزراعة والتجارة والصحة .
إن توسيع استخدام خدمة USSD يمكن أن يمثل خطوة عملية نحو تعزيز الشمول المالي وتوسيع الخدمات الرقمية في مرحلة التعافي وإعادة البناء.

١٧ مارس ٢٠٢٦م

اترك رد

error: Content is protected !!