الرواية الأولى

نروي لتعرف

آفاق رقمية / د. محمد عبدالرحيم يسن

خريطة أساس الولاية.. من معرفة الأرض تبدأ التنمية.(٥/٣)

د. محمد عبدالرحيم يسن





كما وعدت القراء في الحلقة السابقة، أتوقف اليوم عند نموذج من وزارات الولاية الشمالية وضعت نفسها في الاتجاه السليم نحو التحول الرقمي، وهي وزارة البنية التحتية والتنمية العمرانية..
تكتسب هذه الوزارة أهمية خاصة، لأنها تمثل أرضية تقوم عليها أنشطة الولاية المختلفة، من الزراعة والصناعة والطرق والخدمات إلى مشروعات الاستثمار والتنمية، فضلا على الإعمار السكني، ومن هنا تصبح معرفة الولاية جغرافيا بصورة دقيقة، وتحديد استخدامات الأراضي ومواقع المشروعات، ومعرفة تبعية كل مساحة والبيانات المرتبطة بها، أساسا مهما للتخطيط واتخاذ القرار.
فالخريطة الرقمية قاعدة معلومات يمكن البناء عليها في التخطيط والتنمية والاستثمار. وكلما ارتبطت الخريطة بالبيانات، أصبح من الممكن قراءة الواقع بصورة أدق، ومتابعة التغيرات بصورة راتبة، والنظر إلى احتياجات المستقبل.
ومن خلال متابعتي، أرى أن الوزارة بدأت في إعداد هذه الأرضية بصورة جيدة من خلال مركز المعلومات بالوزارة، ويحمد للوزير اهتمامه الكبير بهذا الملف وسعيه مع مدير المركز مهندس عمر عثمان وفريق عمله، إلى توفير المتطلبات اللازمة، من مخدمات وأجهزة طرفية ومعدات مسحية، إلى جانب بناء قاعدة البيانات الجغرافية التي تمثل أساسا للخدمات القادمة.
ومن الخطوات التي تستحق التقدير كذلك إعداد دليل احترافي لخدمات الوزارة، وقد تجاوز عدد الخدمات المحصورة ٨٠ خدمة قابلة للتحويل إلى خدمات إلكترونية. وهذه خطوة مهمة؛ لأن رقمنة الخدمة تبدأ من معرفة إجراءاتها ومتطلباتها والجهة المسؤولة عنها، ثم إعادة تنظيمها قبل نقلها إلى البيئة الإلكترونية.
وعند إطلاق هذه الخدمات وربطها ببوابة الولاية الشمالية، يمكن أن تتغير طريقة تعامل المواطن والمستثمر مع الوزارة بصورة كبيرة، فطالب الخدمة لن يحتاج في كل مرة الوصول إلى مقر الوزارة، فمع اكتمال المنظومة يستطيع من مكانه تقديم طلبه واستكمال الإجراءات المطلوبة ومتابعة معاملته إلكترونيا، وفق طبيعة كل خدمة.
وتزداد قيمة هذه الخدمات عندما ترتبط بقاعدة البيانات الجغرافية، فطلب الخدمة يمكن أن يرتبط بالموقع والقطعة والبيانات ذات الصلة، مما يساعد على توحيد المعلومات وتقليل الإجراءات اليدوية، ويدعم التخطيط والاستثمار وإدارة موارد الولاية.
ولعل أبرز ما يقلل الجهد والانفاق تكامل الأنظمة، فقاعدة البيانات الجغرافية في وزارة البنية التحتية، وخدمات الوزارة الإلكترونية، ومركز معلومات الولاية، وبوابة الولاية، ومنصة “بلدنا”، يمكن أن تعمل ضمن منظومة مترابطة، بحيث تنتقل البيانات بين مكوناتها وفق ضوابط محددة، وواضحة بدل أن تعمل كل جهة بمعزل عن الأخرى.
هذه تجربة واحدة من تجارب الولاية التي تستحق التوقف عندها، وهناك نماذج أخرى في عدد من الوزارات والمؤسسات في الولاية الشمالية يمكن أن تحمل أفكارا وتجارب جديرة بالدراسة، وسأتناول بعضها في مقالات قادمة.
وفي المقابل، توجد وزارات ومؤسسات ما زالت تحتاج إلى جهد أكبر في بناء جاهزيتها الرقمية، فمعلوم أن الوزارات والمؤسسات لا تبدأ من مستوى واحد، وقد تختلف احتياجات وقدرات كل جهة، المهم أن تكون هناك خارطة طريق واضحة ومحددة، وأن تتحرك كل مؤسسة وفق أولوياتها، حتى تلتحق تدريجيا بالمنظومة الرقمية للولاية.
فالتحول الرقمي في الشمالية لا ينبغي أن يكون مجموعة مشروعات منفصلة، وإنما منظومة تتكامل فيها الخرائط والبيانات والخدمات والبنية التحتية والكوادر، وتكون نتيجتها النهائية خدمة المواطن ودعم التنمية والاستثمار.
وتجربة وزارة البنية التحتية والتنمية العمرانية، تقدم مثالا مهما على هذا الاتجاه: [ ابدأ بمعرفة الأرض، نظم بياناتها، حدد الخدمات، ثم حولها إلى خدمات رقمية متكاملة].
في الحلقة القادمة ننتقل إلى قطاع يمثل موردا أساسيا ومهما في الولاية الشمالية، وهو الزراعة، ونقف عند منطقة السليم وإنتاج الفول والقمح، وإمكانية استخدام التقنية في تطوير سوق المحاصيل والتسويق الإلكتروني والمزادات.
٢٨ سبتمبر ٢٠٢٦م

اترك رد