
د. أبي مالك أبوسن
.. في خضم انشغال السودان بإعادة بناء مؤسسات الدولة بعد الحرب، تبرز قضية لا تقل أهمية عن إعادة تأهيل المباني والهياكل، وهي إعادة بناء القدرات القيادية للدولة.
فالدول لا تستمر بالهياكل والقوانين وحدها، وإنما تستمر بوجود قيادات مؤهلة تستطيع إدارة مؤسساتها واتخاذ القرار في الظروف العادية والاستثنائية.
وبالطبع فان مفهوم إعداد القيادات ليس مفهوماً جديداً في تجربتنا الحضارية فقد قدمت السيرة النبوية وعهد الصحابة نماذجاً هامة في اختيار الأشخاص للمهام العامة، حيث برزت معايير مثل الأمانة والكفاءة والعلم والقدرة على تحمل المسؤولية، ووضع الشخص المناسب في المكان المناسب. كما أُسندت المسؤوليات إلى أشخاص متفاوتين في أعمارهم وخبراتهم بحسب ما تقتضيه المهمة، ومن أبرز الأمثلة تولية أسامة بن زيد رضي الله عنه قيادة جيش وهو في سن مبكرة، بما يعكس أهمية الكفاءة والاستعداد للمسؤولية، لا السن وحده.
وفي العصر الحديث، طورت دول عديدة آليات مؤسسية لإعداد القيادات. وتقدم التجربة الألمانية مثالاً جديراً بالدراسة في الانتقال من مفهوم اختيار القيادات عند الحاجة إلى مفهوم إعداد القيادات قبل الحاجة إليها، من خلال اكتشاف الكفاءات وتطويرها وإتاحة الفرصة لها لتحمل المسؤوليات تدريجياً.
.. من هنا تبرز حاجة السودان الآن وبحكم ما يعيشه من مرحلة استثنائية فارقة إلى التفكير في بناء منظومة وطنية لصناعة القيادات الحكومية تبدأ بمرحلة اكتشاف الكفاءات الادارية والفنية الواعدة ومن ثم إعدادها ورعايتها عبر التدريب النوعي الفاعل و من ثم تعبر بمرحلة إسناد المسؤوليات علي نحو متدرج عبر منهج علمي دقيق يساعد في اعطاء نتائج عملية واقعية تساعد كل مؤسسات الدولة علي بناء صف ثاني وثالث كامل القدرة و الجاهزية على تولي المسؤوليات المناط بها عندما تقتضي الحاجة.
إن القضية ليست إنشاء دورات تدريبية جديدة، وإنما بناء ثقافة مؤسسية تؤمن بأن القيادة تُصنع ولا تُكتشف مصادفة.
كما أن إعداد القيادات لا ينبغي أن يقتصر على تخصص معين؛ فالاقتصادي والقانوني والمهندس والطبيب والإداري وغيرهم يمكن أن يكونوا قيادات للمؤسسات إذا امتلكوا المعرفة القيادية والقدرة على الإدارة وصناعة القرار.
ولعل المرحلة التي يمر بها السودان الآن تمثل فرصة لإعادة النظر في هذا الجانب، بحيث يصبح إعداد الصف الثاني والثالث من القيادات جزءاً من التخطيط المستقبلي للدولة، لا استجابة مؤقتة لشغور منصب أو مغادرة مسؤول.
فإذا كانت إعادة بناء السودان تحتاج إلى رؤية للمستقبل، فإن من أهم عناصر هذه الرؤية أن نسأل:
من سيقود مؤسسات السودان بعد خمس سنوات؟ بل أخشى أن يكون السؤال الأكثر إلحاحاً: من سيقودها بعد عامين؟
والإجابة لا ينبغي أن نبحث عنها عند شغور المناصب، بل يجب أن نبدأ في إعدادها من اليوم.
فالقيادة التي يحتاجها السودان غداً، يجب أن يبدأ إعدادها اليوم.





