الرواية الأولى

نروي لتعرف

الرأي

النظام القبلي ما بين الضرورة المجتمعية ومقتضيات السلم الأهلي والأمن القومي

د. طارق عثمان الطاهر

يمثل النظام القبلي في السودان ظاهرة إجتماعية وتاريخية ضاربة الجذور ، إرتبطت بتكوين المجتمع السوداني وتطوره عبر قرون طويلة . وقد أدت القبيلة في مراحل مختلفة من تاريخ السودان ، أدوارًا مهمة في تنظيم حياة المجتمعات المحلية ، وحفظ التماسك الإجتماعي ، وتسوية النزاعات ، وتطبيق الأعراف والتقاليد ، فضلًا عن توفير قدر من الأمن والحماية في ظل محدودية حضور الدولة وأجهزتها في كثير من المناطق .

ولم تكن القبيلة ، في أصل نشأتها ووظيفتها الإجتماعية ، نقيضًا للدولة أو منافسًا لها ، وإنما كانت في كثير من الحالات إطارًا إجتماعيًا طبيعيًا لتنظيم حياة الجماعات المحلية ، خصوصًا في المجتمعات الريفية والمناطق التي لم تكن مؤسسات الدولة قد إمتدت إليها بصورة كاملة .

غير أن التحولات التي شهدها السودان خلال العقود الأخيرة ، وما صاحبها من ضعف مؤسسات الدولة وتراجع قدرتها على أداء بعض وظائفها ، ولا سيما في المناطق الطرفية ومناطق النزاعات ، أدت إلى إتساع مساحة الفراغ الذي شغلته البنى القبلية . ومع إستمرار إنحسار وضعف أجهزة الدولة ، لم تعد القبيلة تؤدي دورًا اجتماعيًا فحسب ، وإنما بدأ بعضها يتحول تدريجيًا إلى فاعل سياسي وأمني وإقتصادي ، الأمر الذي أوجد واقعًا جديدًا يحتاج إلى معالجة وطنية هادئة ومدروسة .

من الدور الإجتماعي إلى النفوذ السياسي :

تكمن المشكلة الحقيقية ليس في وجود القبيلة بوصفها مكوّنًا إجتماعيًا ، وإنما في إنتقالها من المجال الإجتماعي إلى ممارسة أدوار تتصل مباشرة بإختصاصات الدولة .

ففي السنوات الأخيرة ، برزت مظاهر متزايدة لإستخدام الإنتماء القبلي كإحدى أدوات الوصول إلى السلطة والنفوذ والثروة ، وأصبحت بعض القيادات القبلية تمارس ضغوطًا على مؤسسات الدولة ، أو تتدخل في قضايا تتجاوز نطاق وظيفتها الإجتماعية .

والأكثر خطورة هو إرتباط بعض النزاعات القبلية بالسلاح ، وتحول الخلافات على الأرض أو الموارد أو الحدود المحلية إلى مواجهات مسلحة ، بما يهدد السلم الأهلي ويضعف هيبة الدولة وسيادة القانون .

وعندما تمتلك الجماعات القبلية السلاح ، أو تصبح لها تشكيلات مسلحة ، أو تتولى بصورة مباشرة وظائف أمنية أو قضائية يفترض أن تضطلع بها مؤسسات الدولة ، فإن المسألة لا تعود شأنًا إجتماعيًا داخليًا ، وإنما تصبح قضية تتصل مباشرة بأمن المجتمع وأمن الدولة .

الحاجة إلى تنظيم العلاقة بين القبيلة والدولة :

إن إستمرار هذا الوضع دون إطار قانوني ومؤسسي واضح قد يؤدي إلى ترسيخ إزدواجية السلطة ، بحيث تصبح للدولة مؤسساتها الرسمية ، وفي الوقت نفسه توجد سلطات إجتماعية أو قبلية تنازعها بعض إختصاصاتها .

ومن ثم ، فإن المرحلة المقبلة تتطلب إعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والنظام القبلي على أساس واضح : القبيلة مكوّن إجتماعي أصيل ، والدولة هي صاحبة الولاية العامة والسيادة والإختصاص الحصري في الأمن والعدالة وإدارة الموارد والشأن العام .

وفي هذا الإطار يمكن وضع مجموعة من القواعد والمبادئ المنظمة :

أولًا : تحديد الوظيفة الإجتماعية للقبيلة

ينبغي الإعتراف بالقبيلة بإعتبارها نظامًا إجتماعيًا ، يمكن أن يضطلع في نطاقه المحلي والمجتمعي ، بأدوار تتصل بالأعراف والتقاليد ، والإصلاح الاجتماعي ، والمساعدة في فض النزاعات الأهلية ، وتعزيز التماسك المجتمعي .

على أن تتم هذه الأدوار في إطار القانون ، وألا تتعارض مع إختصاصات مؤسسات الدولة أو الحقوق الأساسية للمواطنين .

ثانيًا : منع التمدد المؤسسي خارج الإطار الجغرافي والإجتماعي :

من الضروري وضع ضوابط تمنع إنشاء هياكل قبلية متنافسة أو متوازية مع مؤسسات الدولة ، أو إنشاء تشكيلات قبلية خارج نطاقها الإجتماعي والجغرافي المعروف ، بما يحول دون تحول القبيلة إلى تنظيم سياسي أو أمني عابر للمناطق .

فالقبيلة ينبغي أن تبقى إطارًا اجتماعيًا ، لا أن تتحول إلى مؤسسة سياسية أو عسكرية بديلة للدولة .

ثالثًا : إستعادة الدولة لوظائفها تدريجيًا :

لا يمكن إنهاء الإعتماد على النظام القبلي في إدارة بعض شؤون المجتمع بالقوانين والقرارات وحدها ، في ظل غياب البديل .

ولذلك ينبغي وضع خطة وطنية زمنية لتمكين مؤسسات الدولة من الانتشار الجغرافي الكامل ، بحيث تصل الشرطة والقضاء والإدارة المحلية والخدمات الأساسية إلى جميع المناطق ، خاصة المناطق التي أدى ضعف حضور الدولة فيها إلى اتساع دور البنى القبلية .

ويتزامن ذلك مع برنامج وطني لجمع السلاح غير القانوني ، وبسط سيادة القانون ، ومنع أي تشكيلات مسلحة تقوم على أساس قبلي .

رابعًا : المدن والمجتمعات التي تجاوزت البنية القبلية :

في المجتمعات الحضرية التي حدث فيها قدر كبير من الإندماج الاجتماعي ، ينبغي أن يكون تنظيم المجتمع قائمًا على المواطنة والمؤسسات المدنية، لا على الإنتماء القبلي .

أما في المناطق التي لا تزال القبيلة فيها تمثل إطارًا إجتماعيًا أساسيًا ، فيمكن التعامل معها من خلال مرحلة إنتقالية ، تُصاحبها برامج للتنمية الإقتصادية والاجتماعية والتعليمية ، بما يؤدي تدريجيًا إلى تعزيز مفهوم المواطنة وتقوية المؤسسات المدنية .

خامسًا : إنشاء مجلس قومي لشؤون القبائل :

يمكن إنشاء مجلس قومي لشؤون القبائل والمجتمعات الأهلية بإعتباره إطارًا إستشاريًا وتنظيميًا للعلاقة بين الدولة والقيادات المجتمعية .

ويضم المجلس ممثلين عن القيادات الأهلية والقبلية ، إلى جانب عدد من الأعيان والحكماء والشخصيات الوطنية ، وممثلين للجهات الرسمية ذات الصلة .
ويحدد القانون إختصاصاته ، بحيث تتركز في دعم السلم الأهلي ، والمساهمة في الوقاية من النزاعات وحلها ، وتقديم المشورة للدولة في القضايا ذات الطبيعة المجتمعية ، وتعزيز المصالحات الأهلية ، دون أن يحل المجلس محل مؤسسات الدولة أو يمارس إختصاصاتها التنفيذية أو القضائية أو الأمنية .

التنمية شرط أساسي للتحول :

إن معالجة النظام القبلي لا يمكن أن تنجح إذا أختزلت في إجراءات إدارية أو أمنية .

ففي كثير من المناطق التي ضعفت فيها مؤسسات الدولة ، لم تكن القبيلة مجرد خيار إجتماعي ، وإنما أصبحت وسيلة لحماية المصالح وتوفير الأمن والوصول إلى الموارد والخدمات .

ومن هنا فإن تقوية أجهزة الدولة يجب أن تسير بالتوازي مع تحقيق تنمية متوازنة ، وتوفير التعليم والصحة والمياه والطرق وفرص العمل والخدمات الأساسية ، وتعزيز الإدارة المحلية ، حتى يجد المواطن في مؤسسات الدولة البديل الطبيعي عن أي بنية إجتماعية تقوم بوظائف الدولة .

من دولة القبيلة إلى دولة المواطنة :

إن الهدف ليس إلغاء القبيلة من المجتمع السوداني ، فهذا أمر غير واقعي ولا مطلوب ، فالقبيلة ، بإعتبارها رابطة إجتماعية وثقافية ، ستظل جزءًا من النسيج السوداني .

المطلوب هو إعادة تعريف دورها وحدود وظيفتها .

فالإنتماء القبلي يمكن أن يستمر بوصفه إنتماءً إجتماعيًا وثقافيًا ، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى معيار للحقوق السياسية ، أو الوصول إلى السلطة ، أو الحصول على الموارد العامة، أو إمتلاك السلاح ، أو ممارسة إختصاصات الدولة .

فالدولة الحديثة لا تقوم على إلغاء الروابط الإجتماعية ، وإنما على وضعها في إطار دولة القانون والمواطنة المتساوية .

خاتمة :

يقف السودان اليوم أمام حاجة ملحة لإعادة بناء الدولة ومؤسساتها ، ومن بين القضايا التي ينبغي أن تحظى بالنقاش الجاد مسألة العلاقة بين النظام القبلي والدولة .

لقد كان للنظام القبلي أدوار تاريخية لا يمكن إنكارها في حفظ التماسك الإجتماعي وتسوية النزاعات ، خصوصًا في ظل ضعف أجهزة الدولة وبُعد مؤسساتها عن كثير من المجتمعات . لكن إستمرار هذه الأدوار في صورتها التقليدية ، بعد أن أصبحت الدولة الحديثة هي الإطار الطبيعي لتنظيم حياة المواطنين ، يمكن أن يتحول من عامل للتماسك إلى مصدر للتنافس على السلطة والموارد ، وربما إلى أحد عوامل النزاع وعدم الإستقرار .

وعليه ، فإن المعالجة الصحيحة لا تتمثل في الصدام مع القبائل أو إقصائها ، وإنما في إعادة تنظيم العلاقة بينها وبين الدولة ، وحصر دورها في المجال الإجتماعي والأهلي ، واستعادة الدولة تدريجيًا لإختصاصاتها ، وتجريد النزاعات القبلية من السلاح ، وبناء مؤسسات عدالة وأمن وإدارة قادرة على الوصول إلى جميع المواطنين .

وإذا كانت دولة المواطنة هي الغاية ، فإن الطريق إليها لا يمر عبر إلغاء المجتمع الأهلي ، وإنما عبر تطويره ، ولا عبر إضعاف القبيلة ، وإنما عبر إعادة وضعها في مكانها الطبيعي كمكوّن إجتماعي ، بحيث تكون الدولة هي المرجعية العليا ، والقانون هو الحاكم ، والمواطنة هي أساس الحقوق والواجبات .

إن تحقيق السلم الأهلي والأمن القومي في السودان يتطلب معادلة واضحة : مجتمع أهلي قوي ومتعاون ، ودولة قوية وعادلة ، ومواطنة متساوية ، وسلاح لا يكون إلا بيد الدولة .

اترك رد