الرواية الأولى

نروي لتعرف

هموم وقضايا / السفير د. معاوية التوم

من أزمة الجدليات إلى استعادة الدولة:مبادرة داخلية لقطع الطريق أمام التدخلات الخارجية وبناء مخرج سوداني مستدام!؟

السفير د. معاوية التوم

لم تعد الأزمة السودانية مجرد خلاف حول شكل السلطة أو طبيعة المرحلة الانتقالية، ولا مجرد صراع بين مكونات سياسية وعسكرية يمكن احتواؤه بتسوية مؤقتة. لقد تحولت الأزمة بفعل الحرب المركبة والمفروضة على البلاد، والعدوان الخارجي برعايته الممتدة، إلى أزمة دولة وشرعية وانتقال وسيادة، هدفت لنسف كل قواعد الاستقرار، بمعادلة الخارج التي تتداخل فيها آثار الحرب مع انقسامات السياسة، وتتنازعها أجندات الداخل وحسابات الخارج، بينما تتسع الفجوة بين ضرورات إنقاذ الوطن وبين منطق الشوكة والغلبة والإقصاء والتخوين.

ولعل أخطر ما في المشهد الراهن أن السودان يقف عند تقاطع عدة أزمات في آن واحد: دستور 2005 المعلّق، والوثيقة الدستورية التي انفض سامر أطرافها في 25 أكتوبر، واتفاق جوبا للسلام الذي أُلحق بالوثيقة وما تزال بعض الحركات المسلحة تتمسك به دون دمج وتسريح ، الي جنرالات الحرب في صمود وتأسيس، ثم تركة الحرب وذيولها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية التي أعادت تشكيل الواقع والمجال العام كله، وارادت تكريسه واقعاً لا فكاك منه .

وبين هذه المرجعيات المتعارضة، لم يعد السؤال الحقيقي: أي وثيقة نعود إليها؟ وإنما: كيف نؤسس مرجعية وطنية جديدة تستوعب ما يمكن الاستفادة منه من التجارب السابقة، وتتجاوز عيوبها، وتؤسس لانتقال لا تعصف به كل مرة أزمة سياسية أو عسكرية؟
هنا تحديداً تكمن الحاجة إلى مبادرة سودانية داخلية، لا تكون مجرد إعلان سياسي جديد، ولا نسخة أخرى من اتفاقات النخب، وإنما مشروعاً لإعادة بناء التوافق الوطني وآلية الحكم والانتقال على قاعدة حماية الدولة أولاً، ثم معالجة السياسة، ثم إنجاز العدالة والسلام بصورة متوازنة لا تمس عُرى القانون وجوهره.

أزمة السودان ليست في غياب المبادرات وحدها، وإنما في غياب المرجعية الجامعة
منذ سقوط نظام الإنقاذ، ظل السودان يتحرك بين مرجعيات دستورية وسياسية متعددة على ما طالها من تعديل ومياه عبرت تحت جسرها ، من دون أن تنجح أي منها في تأسيس قاعدة مستقرة للحكم واستدامة الاستقرار .
كان دستور 2005 نتاجاً لمرحلة مختلفة، ارتبطت باتفاقية السلام الشامل وبترتيبات سياسية ودستورية لم تعد تعكس واقع السودان الراهن. ثم جاءت الوثيقة الدستورية لعام 2019 باعتبارها إطاراً انتقالياً جديداً، لكنها لم تنجح في إنتاج شراكة مستقرة بين المكونات المدنية والعسكرية، وانتهى المسار الذي قامت عليه في 25 أكتوبر 2021 م.
وكان أن ألحق اتفاق جوبا للسلام ، ليضيف طبقة جديدة إلى البناء الانتقالي، بما حمله من ترتيبات سياسية ودستورية ومؤسسية، إلا أن استمرار بعض أطرافه في التمسك به بصورته القائمة يطرح سؤالاً جوهرياً: هل يمكن لأي اتفاق انتقالي سابق للحرب أن يبقى مرجعية مكتملة بعد أن غيّرت الحرب موازين الدولة والمجتمع والسياسة؟والإجابة الموضوعية ليست بالرفض المطلق ولا بالقبول المطلق.
فالسلام لا ينبغي أن يُلغى لمجرد تغير الظروف، كما لا ينبغي أن يتحول الاتفاق إلى قيد دائم على إعادة بناء الدولة. المطلوب هو إخضاع جميع المرجعيات السابقة لمراجعة وطنية مسؤولة، تستبقي ما أصبح جزءاً من الحقوق والالتزامات الوطنية، وتعيد النظر في الترتيبات التي تجاوزها الواقع.ومن هنا فإن السودان يحتاج إلى مرجعية انتقالية جديدة، لا تعادي الماضي ولا ترتهن له.

الحرب غيّرت المعادلة السياسية:
الحرب لم تترك السياسة كما كانت قبلها.
لقد أفرزت واقعاً جديداً: نزوحاً و لجوءًا واسعاً، وانهياراً في البني التحتية وقطاعات من الاقتصاد والصحة والتعليم و الخدمات، وتصدعات اجتماعية عميقة، وتوسعاً في الاستقطاب السياسي والمناطقي، وتراجعاً في الثقة بين القوى السياسية والمجتمع، فضلاً عن بروز قوى وأدوار جديدة فرضتها الضرورة العسكرية والإنسانية. وبالتالي فإن العودة إلى المشهد السياسي السابق للحرب وكأن شيئاً لم يحدث ليست واقعية.
لكن الأخطر من ذلك هو محاولة إعادة إنتاج السياسة من داخل الحرب، بحيث يصبح السلاح مصدراً للشرعية، أو تتحول المعاناة الإنسانية إلى أداة للمساومة السياسية، أو تصبح القوى الخارجية صاحبة اليد العليا في تحديد شكل التسوية السودانية.أو عودة من اشعلوا الحرب الي الحكم وكان شيئاً لم يكن.
فالسودان لا يستطيع أن يبني سلاماً مستداماً إذا كان أطرافه يتفاوضون من داخل منطق الحرب، ولا يستطيع أن يبني دولة إذا كانت شرعية القرار الوطني قابلة للاستبدال بالضغوط الخارجية.

من السيادة إلى الحياد السياسي للدولة
في قلب الأزمة سؤال شديد الحساسية: ما موقع القيادة القائمة للدولة في المرحلة المقبلة؟
هنا ينبغي التمييز بين الدولة والسلطة. فالقيادة الموجودة هي أساس الشرعية والسيادة الوطنية ولحمة القوات المسلحة، التي تقف برمزيتها د منيع للسردية الوطنية وتعريف الحرب والعدوان على البلاد أرضا وشعبا ودولة. من خلال زودها وحرصها على سلامة الوطن ومؤسساته، وعلى وحدة كيان الدولة ومنع انهيارها، وهذا أمر يختلف عن احتكار القرار السياسي أو إقصاء الآخرين. وبالمقابل فإن الدعوة إلى انتقال سياسي لا ينبغي أن تتحول إلى مطالبة بتجريد الدولة من قدرتها على الدفاع عن حرمات الوطن وحماية مؤسساتها أو فرض الأمن وسيادة القانون وحماية الشعب.فالمخرج يكمن في مسافة متساوية بين مؤسسات الدولة وأطراف اللعبة السياسية بلا استثناء إلا بقانون.
أي أن تكون الدولة دولة الجميع، لا دولة طرف سياسي بعينه أو مجموعة احتكارية بعينها؛ وأن تكون المؤسسات العسكرية والأمنية مؤسسات وطنية مهمتها حماية الدولة وصيانة الدستور، و مصالح البلاد لا إدارة التنافس الحزبي؛ وأن تكون السلطة التنفيذية خاضعة للقانون والمساءلة، لا رهينة للتوازنات الحزبية أو المسلحة، وأن لا تتأثر بصراع الكراسي والأجندات أو الاستقطاب .وفي الوقت نفسه، فإن المحافظة على الدولة لا يمكن أن تكون ذريعة لتكريس سلطة مفتوحة المدة أو لتعطيل أجل الانتقال. فالدولة القوية ليست هي الدولة التي تحتكر السلطة، وإنما الدولة التي تحتكر الشرعية القانونية واستخدام القوة وفق القانون، وتتيح المجال السياسي المنظم، وتضمن التداول السلمي للسلطة وتحرسه عبر منظومة الأجهزة المختصة.

لا انتقال مستقراً بلا دولة قانون
أحد أخطر الاختلالات التي صاحبت التجربة الانتقالية السودانية كان الخلط بين الانتقال السياسي وإعادة توزيع السلطة.الانتقال الحقيقي لا يعني فقط تغيير الأشخاص، وإنما بناء مؤسسات قادرة على الاستمرار بعد ذهاب الأشخاص.ولهذا فإن أي تسوية قادمة ينبغي أن تنطلق من مبادئ واضحة:
• سيادة القانون فوق الجميع.
• استقلال القضاء والنيابة والمؤسسات العدلية.
• حماية الحقوق والحريات الأساسية العامة.
• عدم استخدام مؤسسات الدولة لتصفية الخصومات السياسية.
• إصلاح الجهاز التنفيذي وضمان كفاءته واستقامته.
• إعادة بناء الخدمة المدنية على المهنية لا المحاصصة.
• إخضاع القوات النظامية للمنظومة الدستورية والقانونية.
• منع تكوين أي تشكيلات مسلحة خارج الإطار القانوني للدولة.
• ضمان الرقابة والمساءلة على المال العام.
• التحضير لانتخابات حرة في نهاية مرحلة انتقالية محددة ومعلومة البرنامج .فالبلاد لا تحتاج إلى حكومة جديدة فقط؛ إنما تحتاج إلى إعادة تأسيس العلاقة بين السلطة والدولة والمجتمع.

العدالة: لا إفلات من العقاب، ولا عدالة انتقائية
لا يمكن بناء سلام مستدام من دون عدالة.
لكن العدالة نفسها يمكن أن تتحول إلى عنصر تفجير إذا جرى توظيفها سياسياً أو تطبيقها بصورة انتقائية.
المطلوب هو مسار عدالة مستقل يتعامل مع الجرائم والانتهاكات وفق القانون، ويشمل أطراف الحرب الظاهرين والمستترين، وكل من تثبت مسؤوليته عن جرائم وانتهاكات، أياً كان موقعه أو انتماؤه.لا ينبغي أن تكون هناك حصانة سياسية مسبقة، كما لا ينبغي أن تكون هناك إدانة سياسية مسبقة.
وهنا تبرز أهمية الفصل بين المساءلة الجنائية الفردية وبين المصالحة الوطنية. فمن الممكن أن تتسع المصالحة السياسية والاجتماعية، لكن لا ينبغي أن تتحول المصالحة إلى آلية لإلغاء الجرائم أو تعطيل العدالة.
وبالمقابل، فإن العدالة لا ينبغي أن تصبح وسيلة لإلغاء الخصوم السياسيين أو فرض المنتصر روايته على المجتمع، وتدوير الأزمات.
إن السودان يحتاج إلى عدالة تنصف الضحايا ولا تنتقم باسمهم، ومصالحة تجمع المجتمع ولا تمحو الحقوق.

الحد الأدنى من الإجماع الوطني
لا يمكن في الظروف الراهنة الوصول فوراً إلى إجماع وطني كامل؛ فهذا هدف طويل المدى، يمكن ادراكه بالصبر الاستراتيجي والحل الوطني.
بل من الممكن الوصول إلى حد أدنى من الإجماع الوطني.
وهذا الحد الأدنى ينبغي أن يجمع القوى السياسية والمجتمعية التي تقبل بمبادئ الدولة الوطنية، وطي صفحة الحرب بالنصر ودحر الأعداء وتحييدهم، ووحدة السودان، وسيادة القانون، ورفض التدخل الخارجي، والانتقال السياسي، والاحتكام إلى الشعب.
ولا ينبغي أن يكون معيار المشاركة هو الولاء لشخص أو حزب أو مؤسسة، بل القبول بقواعد اللعبة الوطنية وترك المزايدات.
وهنا يمكن أن تتشكل مبادرة سودانية واسعة تضم القوى السياسية، والحركات المسلحة، والإدارات الأهلية، والنقابات والمهن، والمرأة والشباب، والأكاديميين، والمجتمع المدني، والقطاع الخاص، والشخصيات الوطنية المستقلة، على أن يكون هدفها إنتاج عقد سياسي انتقالي جديد لا اتفاق محاصصة جديد.
المبادرة الداخلية: منطق المخرج الممكن
فالسودان بحاجة إلى مبادرة داخلية تقوم على خمس حلقات مترابطة:

أولاً: ميثاق وطني انتقالي.
يتضمن المبادئ الحاكمة للمرحلة: وحدة السودان، السيادة، مدنية الدولة، سيادة القانون، احتكار الدولة للسلاح، الحقوق والحريات، العدالة، السلام، وعدم الإقصاء.
ثانياً: مرجعية دستورية انتقالية مؤقتة.
بدلاً من الاستمرار في الجدل حول الوثائق السابقة، يتم إعداد إعلان دستوري انتقالي جديد يستفيد من دستور 2005 والوثيقة الدستورية واتفاق جوبا، ولكنه لا يكون أسيراً لأي منها.
ثالثاً: حكومة انتقالية ذات كفاءة وطنية.
تكون مهمتها الأساسية وقف التدهور، إعادة بناء مؤسسات الدولة، تقديم الخدمات، معالجة الأزمة الاقتصادية والإنسانية، وتهيئة البلاد للانتخابات، بعيداً عن المحاصصة الحزبية الصارخة.
رابعاً: مسار متزامن للسلام والعدالة.
السلام ليس بديلاً عن العدالة، والعدالة ليست بديلاً عن السلام. لذلك يجب أن يسيرا في مسارين متوازيين، مع معالجة جذور التهميش والنزاعات المحلية وقضايا النازحين واللاجئين وإعادة الإعمار.
خامساً: نهاية انتقالية محددة بانتخابات.
لا ينبغي أن يكون الانتقال مشروعاً مفتوحاً بلا نهاية. فكلما طال الانتقال من دون أفق انتخابي واضح، تحولت المرحلة المؤقتة إلى نظام سياسي قائم بذاته.
قطع الطريق أمام الخارج يبدأ من الداخل
التدخلات الخارجية لا تنشأ دائماً من قوة الخارج وحدها؛ كثيراً ما تجد منفذاً لها في انقسام الداخل.كلما عجز السودانيون عن الاتفاق على الحد الأدنى من مصالحهم الوطنية، اتسعت مساحة الآخرين.ولهذا فإن أفضل وسيلة لقطع الطريق أمام التدخلات الخارجية ليست فقط إصدار بيانات الرفض، وإنما إغلاق الفراغ السياسي الذي يسمح للخارج بملئه.
إن المبادرة الوطنية الناجحة ينبغي أن تقول للمجتمع الدولي بوضوح: السودان يحتاج إلى الدعم الدولي في الإغاثة وإعادة الإعمار وبناء المؤسسات، لكنه لا يحتاج إلى وصاية سياسية.
المجتمع الدولي يمكن أن يساعد في الضمانات، والمراقبة، والتمويل، والدعم الفني، لكنه لا ينبغي أن يكون هو الذي يحدد للسودانيين خياراتهم و شكل دولتهم أو يختار لهم ممثليهم السياسيين.
وهنا يتحول مبدأ السيادة من شعار إلي استراتيجية تفاوضية.

لا لتخوين المختلفين
من أكبر عوائق التسوية السودانية أن السياسة تحولت في أحيان كثيرة إلى اختبار للولاء الوطني.
فمن يخالفك يصبح خائناً، ومن يطالب بالانتقال يصبح عميلاً، ومن يدافع عن مؤسسات الدولة يصبح رافضاً للديمقراطية، ومن ينتقد السلطة يصبح عدواً للدولة، والمجرم يريد أن يتوج بطلاً.
وهذه الثنائية المدمرة يجب أن تنتهي.الوطن أوسع من السلطة، والدولة أوسع من الحكومة، والسياسة أوسع من الحزب، والاختلاف ليس خيانة.
وفي المقابل، فإن التوافق الوطني لا يعني التسامح مع من يثبت تورطه في جرائم حرب أو انتهاكات جسيمة أو تقويض متعمد للدولة.
المطلوب هو التمييز بين الخلاف السياسي المشروع والجريمة التي تستوجب المساءلة.

الانتقال السلس لا يعني الانتقال الضعيف
السودان لا يحتاج إلى انتقال سريع بقدر ما يحتاج إلى انتقال صحيح. فالسرعة من دون مؤسسات قد تعيد إنتاج الأزمة، والتأخير من دون أفق سياسي قد يعمق الهشاشة.لذلك فإن الانتقال السلس ينبغي أن يقوم على معادلة دقيقة:

استقرار الدولة + إصلاح المؤسسات + توسيع المجال السياسي + العدالة + السلام + نهاية انتخابية واضحة.
هذه المعادلة وحدها يمكن أن تمنع البلاد من الدوران في الحلقة نفسها: أزمة سياسية، ثم انسداد، ثم تدخل عسكري، ثم احتجاج، ثم تسوية مؤقتة، ثم انهيار جديد.

الأزمة الحقيقية: إعادة إنتاج الحرب
الخطر الأكبر اليوم ليس فقط استمرار الحرب، وإنما إعادة إنتاج شروطها بعد توقفها.فإذا انتهت المعارك وبقيت أسباب الانقسام السياسي والمناطقي والاجتماعي قائمة ، وإذا بقي السلاح خارج المؤسسة الوطنية(القوات المسلحة)، وإذا بقي الاقتصاد قائماً على شبكات الحرب، وإذا بقيت التدخلات الخارجية قادرة على تمويل الأطراف، فإن السلام سيكون مجرد هدنة مؤجلة الانفجار.ولهذا يجب أن يكون الهدف أبعد من وقف إطلاق النار.الهدف هو تفكيك البنية التي تجعل الحرب خياراً سياسياً قابلاً لإعادة الاستخدام.
وهذا يتطلب إعادة تمتين البناء المؤسساتي لمنظومته على أسس مهنية ووطنية، ومعالجة اقتصاد الحرب، ضبط الموارد والمعابر والذهب والتجارة العابرة للحدود، إعادة النازحين واللاجئين، إعادة إعمار المناطق المتضررة، وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.

الخلاصة:
الحل ليس مستحيلاً، لكنه يحتاج إلى شجاعة وارادة سياسية تعلي مصلحة البلاد وأمنها القومي بنظرة شاملة.حيث يقف السودان اليوم أمام مفترق تاريخي.فإما أن يستمر منطق الغلبة والإقصاء والتخوين والارتهان للخارج، فتتآكل الدولة أكثر وتتحول الحرب إلى حالة مزمنة، أو أن يدرك قادته وساسته أن الوطن بلغ مرحلة لا تحتمل المزيد من المغالبة.المشكلة السودانية، رغم تعقيداتها، ليست بلا مخرج.
المخرج يبدأ عندما تنتقل النخب من سؤال: من يحكم؟ إلى سؤال أكثر جوهرية: كيف نحمي الدولة بوعي وطني يستصحب عبر التاريخ، لكي يستطيع السودانيون أن يختاروا شكل حكمهم؟
ويبدأ عندما تدرك القيادة أن حماية مؤسسات الدولة لا تعني تقييد أو احتكار السياسة، وتدرك القوى السياسية أن المطالبة بالانتقال لا تعني إسقاط مؤسسات الدولة، وتدرك الحركات المسلحة أن السلام لا يمكن أن يتحول إلى حق دائم في الاستثناء، وتدرك النخب المدنية أن الديمقراطية لا تبنى بالإقصاء، ويدرك الجميع أن السيادة لا تصان بالشعارات وإنما بتنازلات جوهرية تبنى على توافق داخلي يمكن للتداول السلمي ويقلل حاجة البلاد إلى الخارج.
إن المبادرة الداخلية ليست بديلاً عن المجتمع الدولي، لكنها الطريق إلى التعامل معه من موقع المصالح العليا للبلاد و الندية لا التبعية.
ولذلك فإن المطلوب اليوم ليس اتفاقاً جديداً بين قلة من النخب، ولا صيغة انتصار لطرف على آخر، وإنما عقد وطني سوداني جديد يضع الدولة فوق الصراع، والقانون فوق الأشخاص، والعدالة فوق الانتقام، والسياسة فوق السلاح، والشعب فوق كل ترتيبات السلطة.فالسودان لا يحتاج إلى منتصر جديد بقدر ما يحتاج إلى دولة لا يُهزم فيها الوطن، لينتقل الوطن من مآسي الحرب و ادارة الأزمة الي صناعة المستقبل.
وإذا كان التاريخ قد أثبت أن التدخل الخارجي يجد طريقه حين يفشل الداخل في إدارة خلافاته، فإن الدرس الأهم من الحرب الراهنة هو أن ردم الهوة السودانية ليس ترفاً سياسياً، بل شرطاً للأمن القومي، وأن منع إعادة إنتاج الحرب يبدأ من تعظيم النصر وتحييد العدو، ببناء كتلة وطنية منيعة تقطع الطريق على كل مشروع يريد أن يجعل من هشاشة السودان مدخلاً دائماً لإدارة شؤونه من الخارج.
إن اللحظة الراهنة، بكل قسوتها، قد تكون أيضاً فرصة لإعادة تعريف ما جرى ويجري وطنياً، وتأسيس السودان على قاعدة أكثر صلابة واستدامة: دولة واحدة، بجيش وطني واحد ، قانون واحد، و عدالة بلا انتقائية، سياسة بلا إقصاء، وسيادة تدار بقياداته وأجندة الوطن ، لا تستجيب أو تتأثر او تنحني لضغوط أو إملاءات .
“فالمخرج من أزمة الشرعيات وجدل السلطة، ليس في البحث عن منتصرٍ بين المتنازعين، بل في استعادة الدولة باعتبارها الإطار الوحيد الذي تتسع شرعيته للجميع؛ فالدولة حين تستعيد احتكارها للشرعية والقوة والقانون، تنتهي الحرب من جذورها لا من أعراضها”.
——————
١٦ اغسطس ٢٠٢٦ م

اترك رد

error: Content is protected !!