
انتهيت في مقالي السابق إلى أن الثقافة هي الضمير المستتر والبرمجة الداخلية التي توجه سلوك الفرد حين يغيب الرقيب _ واقول هنا بأن هذه البرمجة لا تعمل في فراغ بل تتشكل وتكتسب حيزها المادي عبر المكان الذي نعيش فيه .
فجغرافية الحياة اليومية ليست مجرد وعاء صامت لنشاطنا البشري _ بل هي فاعل ثقافي ومُهَذِّب سلوكي يوجه حركة الجميع دون أن يتكلم .
فالعمارة وتخطيط الفضاءات العامة والبيئة البصرية والتراث المعماري ليست مجرد حجر وخرسانة بل هي خطاب ثقافي مُجَسد يفرض سلطته الجمالية والنفسية وعلى تفاصيل السلوك اليومي .
وعندما يتحرك الإنسان في بيئة عمرانية تراعي كرامته الإنسانية وتفيض بالجمال والتناسق _ يستجيب وجدانه تلقائياََ لهذا الرصيد الجمالي فيتهذب سلوكه وتتزن انفعالاته _ ويصعب عليه حينها أن يمارس الفوضى أو يلقي بالنفايات أو يتجاوز في هذا الحيز المحفوف بالاحترام .
وأجد في ذلك أن الشارع المنسق والحديقة الخضراء الجميلة والمجلس التراثي الدافئ كل هذه تمثل سلطة ناعمة تفرض على الوافد إليها قدر من اللياقة والهدوء _ لتؤكد أن الذوق العام ليس سوى صدى مباشر للذوق المعماري والجمالي المحيط بنا _
في المقابل فإن البيئات الجافة التي تفتقر للروح ، والفضاءات العشوائية تتسبب في شحن الفرد بالتفكير الحاد والتوجس وتنتج سلوكيات تتسم باللامبالاة والعدوانية ، لأن الفرد يطبع تصرفاته بطبيعة المحيط الذي يتواجد فيه .
ومن هنا تبرز أهمية التراث المعماري الحي والهوية البصرية الأصيلة ، فهما لا يقدمان حلول سكنية أو هندسية فحسب _ بل يمنحان الفرد بوصلة إتزان وسكينة ويربطانه بجذوره الحضارية وسط تجاذبات الحداثة السريعة والأنماط المعيشية المختلطة .
واعود ل أؤكد بأن هندسة المكان هي في حقيقتها إعادة هندسة للإنسان فالمجتمعات التي تعتني بجماليات عمرانها وفضاءاتها العامة لا تستثمر في الحجر بل تستثمر في الأخلاق العامة والسلوك الإيجابي _ فكما تصنع الثقافة الواعية ضمير الفرد من الداخل يصنع المكان الأنيق لياقة السلوك من الخارج _ ليتكاملا معاََ في صياغة مجتمع ينتمي للجمال ويتنفس الرقي ويجعل من السلوك الحضاري ممارسة عفوية حرة لا تحتاج إلى قانون يمليها ولا إلى رقيب يفرضها .



