الرواية الأولى

نروي لتعرف

موطئ قلم / د. اسامة محمد عبدالرحيم

مليشيا الدعم السريع… سرطان جسد الدولة السودانية

عقيد بحري ركن (م) د. اسامة محمد عبدالرحيم

تتعرض الدول، كما تتعرض الأجساد، لأنواع متعددة من الأخطار. فمنها ما يأتي من خارج حدودها، فتدركه أجهزة المناعة الوطنية، وتتهيأ لمواجهته، ومنها ما ينشأ من داخلها، مستفيداً من مواردها، ومتغذياً على قدراتها، ومتخفياً بين مؤسساتها، حتى يبلغ من القوة ما يجعله يهدد الكيان الذي أوجده. ولهذا ظل الأطباء يعدّون السرطان من أخطر الأمراض، ليس لأنه يبدأ كبيراً، وإنما لأنه يبدأ خليةً واحدة خرجت عن النظام الذي يحكم بقية خلايا الجسد.

فكل سرطان يبدأ بخروج خلية عن النظام، وكل حرب أهلية تبدأ بخروج السلاح عن الدولة.

وفي علم الأمراض، تتحدد خطورة السرطان بطبيعته البيولوجية، بصرف النظر عن حجم الورم أو مكان ظهوره. فالخلايا السليمة تعمل وفق منظومة دقيقة تضبط نموها وانقسامها ووظيفتها، وتلزمها بالتوقف متى اكتمل دورها، أو بالموت المبرمج عندما تنتهي مهمتها حفاظاً على سلامة الجسد. غير أن بعض الخلايا تفقد، بفعل طفرات متراكمة، قدرتها على الاستجابة لهذا النظام، فتبدأ بالانقسام خارج الضوابط، وتواصل التكاثر دون اعتبار لحاجة الجسم أو مصلحته، لتتحول تدريجياً من جزء يؤدي وظيفة نافعة إلى كيان مستقل يسعى إلى البقاء ولو كان ثمن بقائه إنهاك الجسد كله.

ولا ينشأ السرطان في لحظة واحدة، كما لا يتحول إلى خطر وجودي بين يوم وليلة. إنه يبدأ صغيراً، ثم ينمو بصمت، ويستفيد من كل فرصة تسمح له بالاتساع، حتى يصبح قادراً على تعطيل وظائف العضو الذي نشأ فيه، ثم يمتد أثره إلى بقية أعضاء الجسم. ولهذا تبدأ أخطر مراحل المرض عندما يعجز الجسد عن السيطرة على نموه بعد أن تجاوز الحدود الطبيعية التي كان ينبغي ألا يتخطاها.

غير أن الجسد لا يقف مكتوف اليدين أمام هذا الخلل. فقد أودع الله فيه جهازاً مناعياً معقداً، تتمثل إحدى وظائفه في التعرف على الخلايا التي خرجت عن النظام الطبيعي، ثم محاصرتها والقضاء عليها قبل أن تتحول إلى ورم يهدد الحياة. وفي كثير من الحالات لا ينشأ السرطان لأن الخلايا الشاذة ظهرت، فمثل هذه الخلايا قد تظهر بصورة عارضة في أجسام الأصحاء، وإنما ينشأ عندما تعجز منظومة الحماية عن اكتشافها أو احتوائها، أو عندما تتمكن تلك الخلايا من الإفلات من الرقابة المناعية، فتواصل نموها حتى تصبح قادرة على مقاومة وسائل الدفاع الطبيعية للجسد.

وإذا كان الجهاز المناعي هو خط الدفاع الأول عن سلامة الجسد، فإن مؤسسات الدولة الشرعية تؤدي الوظيفة نفسها في حماية الوطن؛ فهي التي تحتكر استخدام القوة، وتفرض سيادة القانون، وتمنع نشوء مراكز نفوذ موازية. وكلما ضعفت هذه المؤسسات، أو اختلت وظائفها، أو سُمح لقوى مسلحة بالنمو خارج إطارها، ازدادت احتمالات تحول الخلل المحدود إلى تهديد وجودي يصعب احتواؤه.

ومن هذه الزاوية، تبدو المقاربة بين علم الأمراض وبعض الظواهر التي شهدتها الدول مقاربة تفسيرية ذات دلالة، لا لأنها تجعل السياسة طباً، وإنما لأنها تكشف كيف يمكن لكيان أُنشئ لأداء وظيفة محددة أن يتحول، مع مرور الزمن، إلى مصدر تهديد للدولة نفسها إذا انفصل عن الضوابط التي أنشأته، وأصبح نموه محكوماً بمنطق القوة الذاتية لا بمنطق المؤسسة الوطنية.

وفي الحالة السودانية، يصعب فهم مسار مليشيا الدعم السريع بمعزل عن هذه القاعدة. فقد نشأت في ظروف استثنائية لمعالجة تحديات أمنية محددة في إقليم دارفور، وأُنيطت بها مهام ذات طبيعة استثنائية، لكنها مع مرور السنوات تجاوزت الغاية التي أُنشئت من أجلها. فقد أخذت تتوسع في الحجم والتسليح والموارد والنفوذ، حتى أصبحت تمتلك عناصر قوة مستقلة عن مؤسسات الدولة، وهو تحول يشبه، من حيث المنهج، انتقال الخلية من الالتزام بقانون الجسد إلى العمل وفق قانونها الخاص.

ولم يكن هذا التحول وليد قرار واحد، وإنما جاء نتيجة تراكمات متتابعة، بدأت بالاتساع العددي، ثم تعززت بالتسليح النوعي، وترافقت مع تنامي الموارد الاقتصادية، وامتلاك شبكات مالية وتجارية مستقلة، واتساع دوائر النفوذ السياسي والإداري، حتى غدت المليشيا تمتلك من أدوات الحركة والاستمرار ما جعلها أقل ارتباطاً بالدولة، وأكثر اعتماداً على بنيتها الخاصة. وكما لا يصبح الورم خطراً لأنه موجود فحسب، وإنما لأنه يواصل النمو دون أن تستجيب لإيقافه الآليات الطبيعية للجسد، فإن الخطر الحقيقي في التجربة السودانية لم يكن في وجود تشكيل مسلح فحسب، وإنما في استمرار توسعه خارج المنظومة المؤسسية التي تحتكر وحدها حق استخدام القوة باسم الدولة.

ولم يتوقف الأمر عند حدود النمو والاتساع. فمن الخصائص المعروفة للأورام الخبيثة أنها، بعد أن تتجاوز مرحلة التكوين الأولى، تعمل على إيجاد منظومة تغذي استمرارها. ففي علم الأورام، تحفز الخلايا السرطانية تكوين أوعية دموية جديدة تمدها بالأكسجين والغذاء، بما يمكنها من مواصلة الانقسام والنمو. وبغير هذه الشبكة الداعمة، يفقد الورم كثيراً من قدرته على البقاء.

وتكشف التجربة السودانية عن نمط يقترب، في منطقه، من هذه الظاهرة. فالمليشيا لم تعتمد، مع مرور الوقت، على الموارد الرسمية التي ارتبطت ببداياتها، وإنما بنت منظومة تمويل خاصة بها، اتسعت لتشمل السيطرة على موارد الذهب، وتأسيس شبكات اقتصادية وتجارية، والانخراط في أنشطة التهريب عبر الحدود، والاستفادة من الارتزاق في صراعات خارجية، إلى جانب ما وفرته علاقات خارجية من مصادر دعم وإمداد. وهكذا لم تعد مواردها مرتبطة بالدولة، وإنما أصبحت الدولة نفسها تواجه كياناً يمتلك دورة اقتصادية مستقلة، توفر له أسباب الاستمرار حتى وهو يعمل خارج إرادتها.

ومن أخطر خصائص الأورام الخبيثة أنها تنمو من داخل الجسد، مستفيدة من موارده الحيوية على حساب سلامته. فهي تستهلك غذاءه، وتستنزف طاقته، وتستفيد من أجهزته الحيوية، من دون أن تضيف إليه وظيفة نافعة. وكلما ازداد نموها، ازداد ضعف الجسد نفسه. وهكذا يتحول ما كان جزءاً من الكيان إلى عبء يهدد بقاء الكيان كله.

وتزداد خطورة السرطان عندما يغادر موضعه الأول، فلا يكتفي بإصابة عضو واحد، وإنما يغزو الأنسجة المجاورة، ثم ينتقل عبر الدم أو الجهاز الليمفاوي إلى أعضاء بعيدة، فيما يعرف طبياً بـ”النقائل”. وعند هذه المرحلة، لا يعود الخطر محصوراً في الورم الأصلي، بل يصبح تهديداً شاملاً لوظائف الجسد كلها.

وهذا ما شهدته الدولة السودانية على امتداد السنوات الأخيرة. فقد تجاوز نفوذ المليشيا الإطار العسكري، وامتد إلى دوائر الاقتصاد والإدارة والسياسة والمجتمع، قبل أن يبلغ ذروته بمحاولة فرض سلطة موازية تنازع الدولة اختصاصاتها وسيادتها. ثم جاءت الحرب لتكشف الحجم الحقيقي لهذا المشروع، بعدما تحولت المواجهة من تمرد مسلح إلى محاولة لفرض واقع سياسي وعسكري جديد بقوة السلاح، مستندة إلى شبكات دعم وإسناد تجاوزت الحدود الوطنية، وربطت مصيرها بحسابات وأجندات خارجية أكثر من ارتباطها بمصالح السودان وشعبه.

ولم تكن النتائج أقل خطورة من أخطر مضاعفات الأمراض الخبيثة. فقد امتدت آثار الحرب إلى معظم وظائف الدولة؛ فدُمرت البنية التحتية، وتعطلت مؤسسات الإنتاج والخدمات، وانهارت قطاعات واسعة من الاقتصاد، ونزح ملايين المواطنين من ديارهم، وتعرض النسيج الاجتماعي لهزات عميقة، وتحولت مدن كاملة إلى ساحات للقتال والنهب والدمار. وكما يستهلك السرطان طاقة الجسد ويستنزف موارده حتى يعجز عن أداء وظائفه الطبيعية، استنزفت الحرب مقدرات السودان البشرية والاقتصادية والاجتماعية، وفرضت عليه كلفة باهظة ستحتاج إلى سنوات طويلة لمعالجتها.

ولا تكتمل قراءة هذا التجربة ولا قيمتها، كما لا يكتمل الدرس الذي تقدمه هذه التجربة عند حدود توصيفها، بل يمتد إلى استخلاص العبر منها. فالدول التي لا تتعلم من أخطائها تظل مهيأة لتكرارها في صور جديدة. ومن أخطر ما تكشفه التجربة السودانية أن الدواعي والذرائع التي صاحبت إنشاء مليشيا الدعم السريع لا تزال تتردد اليوم في سياقات تدعو إلى رعاية أو إنشاء تشكيلات مسلحة أخرى خارج البناء المؤسسي للدولة، تحت مسميات مختلفة ومبررات متشابهة. غير أن العبرة لا تكون بتبدل الأسماء، وإنما بطبيعة الفكرة نفسها؛ فكل قوة تُنشأ خارج المنظومة الوطنية، مهما كانت مبرراتها، تحمل في داخلها قابلية التحول إلى مركز قوة مستقل إذا غابت الضوابط المؤسسية والرقابة القانونية. ومن هنا، فإن حماية الدولة لا تقتضي معالجة نتائج التجربة فحسب، وإنما منع تكرار أسبابها أيضاً.

غير أن الطب، وهو يواجه السرطان، يقدم درساً بالغ الدلالة؛ فالعلاج لا يقوم على التعايش مع الخلايا التي خرجت على قانون الجسد، وإنما على استعادة النظام الذي يحفظ حياة الإنسان. وقد تتعدد وسائل العلاج، لكنها تلتقي جميعاً عند هدف واحد، هو إزالة الخلل مع الحفاظ على سلامة الجسد واستعادة وظائفه الطبيعية.

فالطب لا يعادي الخلية لأنها من الجسد، وإنما لأنها تمردت على القانون الذي يحفظ حياة الجسد كله. وكذلك الدولة لا تواجه التشكيلات المسلحة لأنها تنتمي إلى أبنائها، وإنما لأنها خرجت على القانون الذي يجعل السلاح حكراً على الدولة، ويحفظ للمجتمع أمنه ووحدته واستقراره.

وهذه هي الرسالة التي يفرضها الواقع السوداني اليوم. فاستعادة الدولة لا تتحقق بمجرد وقف إطلاق النار، وإنما بإعادة احتكارها المشروع للقوة، وتفكيك البنى العسكرية والاقتصادية التي قامت خارج مؤسساتها، وتجفيف مصادر التمويل والإمداد، وإنفاذ سيادة القانون، وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس مهنية ووطنية، حتى لا تتكرر التجربة في صورة أخرى أو باسم آخر.

إن تشبيه مليشيا الدعم السريع بالسرطان ليس حكماً أخلاقياً فقط، ولا استعارة لغوية للتجريح، وإنما قراءة لظاهرة سياسية من خلال نموذج علمي يفسر كيف يمكن لكيان ينشأ داخل الجسد أن يتحول إلى خطر يهدد بقاءه. وحين يستعيد الجسد عافيته، لا يعود ذلك لأن المرض اختفى وحده، وإنما لأن النظام الطبيعي استعاد سيطرته.

وكذلك الأوطان؛ تظل عافيتها مرهونة بدولة تمتلك وحدها الكلمة العليا، ويحتكم الجميع فيها إلى القانون باعباره المرجع الوحيد، ويكون السلاح حكراً على مؤسساتها الوطنية.

اترك رد

error: Content is protected !!