الرواية الأولى

نروي لتعرف

آفاق رقمية / د. محمد عبدالرحيم يسن

من الحظيرة إلى المنصة الرقمية

د. محمد عبدالرحيم يسن



digital.start23@gmail.com

في عالم التحول الرقمي تمتد الرقمنة كل يوم إلى مجالات جديدة، حتى أصبحت تشمل أصولا لم يكن أحد يتصور قبل سنوات قليلة أنها يمكن أن تدخل العالم الرقمي. ومن أحدث هذه النماذج ما نجحت البرازيل في تطبيقه، بتحويل جزء من ثروتها الحيوانية إلى أصول رقمية تستخدم للحصول على التمويل، في تجربة تعد الأولى من نوعها على مستوى العالم، وقد تفتح الباب أمام تحول كبير في أساليب التمويل الزراعي.
وتبدأ الفكرة عندما يتقدم أحد المزارعين بطلب تمويل بضمان بقرة من قطيعه. فبدلا من الاكتفاء في تسجيلها على أوراق الرهن التقليدية، تمنح البقرة هوية رقمية فريدة لا تتكرر، وتزود بطوق ذكي يعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء، يتابع موقعها وحالتها الصحية وسلوكها وإنتاجها بصورة مستمرة. وترتبط هذه البيانات بسجل إلكتروني موثق، ثم يصدر رمز رقمي يمثل هذه البقرة وحدها، ويرتبط مباشرة بعقد التمويل، لتصبح المؤسسة الممولة قادرة على متابعة الأصل الضامن طوال مدة القرض، والتأكد من سلامته، مع ضمان عدم استخدام البقرة نفسها كضمان لأكثر من تمويل.
ولا يتعلق الأمر بتحويل الأبقار إلى عملات مشفرة، بل بتحويل أصل حقيقي إلى أصل رقمي موثق يمكن التحقق منه وإدارته إلكترونيا. فالقيمة تبقى في البقرة نفسها، بينما يوفر الرمز الرقمي وسيلة دقيقة لإثبات الملكية، وتتبع الأصل، وربطه بالتمويل، بما يمنح المصارف ومؤسسات التمويل مستوى أعلى من الثقة، ويختصر كثيرا من إجراءات التقييم والضمان التقليدية.
واعتمدت التجربة على شركة كاوميد البرازيلية المتخصصة في التقنيات الزراعية، التي تراقب اليوم نحو مائة ألف رأس من الماشية في أكثر من ألف مزرعة، بقيمة تقديرية تقارب أربعمائة مليون دولار. وقد نجحت أول تجربة في ترميز عشر بقرات حلوب، ومكنت أصحابها من الحصول على تمويل يقارب عشرين ألف دولار، مع توقع توسع النموذج ليولد عشرات الملايين من الدولارات في صورة تمويل جديد للقطاع الزراعي.
وتكمن أهمية هذه التجربة في أنها تعالج واحدة من أكبر العقبات التي تواجه القطاع الزراعي، وهي صعوبة الحصول على التمويل، فكثير من المزارعين يمتلكون أصولا ذات قيمة، لكنها تفتقر إلى وسائل التوثيق التي تمنح المؤسسات المالية الثقة في قبولها كضمان، وهنا تظهر قيمة الرقمنة، فهي تحول البيانات إلى ثقة، والثقة إلى تمويل، والتمويل إلى إنتاج.
ما المانع ان يتبنى السودان مشروعا وطنيا لترقيم الثروة الحيوانية، الابقار والإبل والضان وربطها بهوية رقمية وسجلات بيطرية إلكترونية، مع استخدام وسائل التتبع الحديثة وتقنيات الذكاء الاصطناعي، لبناء قاعدة بيانات دقيقة عن هذه الثروة، وتحسين الرقابة الصحية، وتنظيم حركة الصادر، وتوفير ضمانات موثوقة للمصارف ومؤسسات التمويل، بما يفتح آفاقا جديدة أمام الاستثمار والإنتاج.
تؤكد هذه التجربة أن الاقتصاد الرقمي لا يقوم على امتلاك الأصول فقط، وإنما على القدرة على إدارتها رقميا، وتوثيقها، وتحويل بياناتها إلى عنصر يعزز قيمتها الاقتصادية. فالبيانات أصبحت جزءا من قيمة الأصل نفسه، وكلما ارتفعت جودة البيانات وموثوقيتها، ازدادت فرص الاستفادة من الأصل في التمويل والاستثمار.
هذه التجربة لا تمثل نجاحا برازيليا فقط، بل تقدم رسالة عملية للدول التي تمتلك ثروات كبيرة غير مستغلة اقتصاديا بالصورة المثلى، وهي فرصة للجهات المنظمة لعمليات التمويل والرقمنة في السودان وعلى راسها بنك السودان المركزي، والمصارف، ومؤسسات التمويل، ووزارة التحول الرقمي والاتصالات واذرعها، ووزارة الثروة الحيوانية، للعمل معا على إطلاق مشروع تجريبي لترقيم جزء من الثروة الحيوانية السودانية، وربطها بهوية رقمية وسجلات موثقة، واختبار استخدامها كضمانات للتمويل، خاصة التمويل الأصغر، فإذا أثبتت التجربة نجاحها، فقد تمثل بداية لنموذج سوداني رائد في التحول الرقمي الزراعي، يسهم في توسيع فرص التمويل، وزيادة الإنتاج، وتعزيز الصادرات، وتحويل واحدة من أكبر ثروات السودان إلى رافعة حقيقية للتعافي الاقتصادي.

اترك رد

error: Content is protected !!