تغيير نُظُم الحكم وإشكالية بناء الدولة(قراءة في التجربة السودانية بين النظرية والواقع)

ليست كل حركة جماهيرية تستحق أن توصف بالثورة، كما أن الثورات نفسها لا تقود جميعها إلى النهضة، وإسقاط نظام سياسي لا يعني بالضرورة بناء نظام أفضل منه. فقد أثبت التاريخ أن بعض الأمم خرجت من ثوراتها أكثر قوة واستقراراً، بينما خرجت أمم أخرى وقد فقدت مؤسساتها، وانهارت اقتصاداتها، وتفككت مجتمعاتها، وتحولت أحلام الحرية إلى حروب أهلية وصراعات لا تنتهي.
وتتحدد القيمة الحقيقية لأي تجربة تغيير بما تتركه من أثر في بنية الدولة ووظائفها، إذ تكتسب الثورات والانتفاضات والانقلابات مشروعيتها التاريخية بقدر ما تعزز كفاءة المؤسسات، وترسخ الاستقرار السياسي، وتحسن الأداء الاقتصادي، وتدعم سيادة القانون، وتوفر للدولة قدرة أكبر على حماية مصالحها وتحقيق أهدافها. فنجاح أي تجربة تغيير لا يتحقق بمجرد انتقال السلطة أو إسقاط الحكومات، وإنما بقدرتها على إنتاج دولة أكثر قوة، وكفاءة، واستقراراً، وعدالة، واقتداراً على خدمة مواطنيها وصون مصالحها العليا.
ومن هنا تصبح التجربة السودانية واحدة من أكثر التجارب العربية والإفريقية ثراءً بالدروس؛ لأنها شهدت خلال أقل من قرن طيفاً واسعاً من الثورات والانتفاضات والانقلابات، حتى أصبح من الضروري إعادة قراءة هذه المحطات بعيداً عن العاطفة السياسية، وبمعايير علم السياسة وإدارة الدول.
فالثورة في العلوم السياسية ليست مجرد احتجاج شعبي واسع، وإنما تغيير جذري في بنية النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي، ينتج نظاماً جديداً أكثر قدرة على تحقيق أهداف الدولة. أما إذا اقتصر الأمر على تغيير الأشخاص مع بقاء الأزمات كما هي، فإننا نكون أمام تغيير للسلطة، لا ثورة بالمعنى الحقيقي.
ويمكن قياس نجاح أي ثورة بخمسة معايير رئيسية؛ تشمل قدرتها على حماية الدولة من الانهيار، وتعزيز الاستقرار السياسي، وتحسين الأداء الاقتصادي، وترسيخ سيادة القانون، ورفع كفاءة مؤسسات الدولة. وكل حركة سياسية تعجز عن تحقيق هذه الغايات تبقى محل مراجعة مهما كانت الشعارات التي رفعتها أو حجم التأييد الشعبي الذي حظيت به.
وتُعرَّف الانتفاضة الشعبية بأنها حراك جماهيري واسع يهدف غالباً إلى إسقاط حكومة أو نظام قائم دون أن يمتلك بالضرورة مشروعاً متكاملاً لبناء النظام الجديد، ولذلك كثيراً ما تنجح في إسقاط السلطة، لكنها تعجز عن إدارة ما بعد السقوط.
أما الانقلاب العسكري فهو انتقال السلطة بواسطة القوات المسلحة أو جزء منها، وقد يرتدي أحياناً لباس الثورة، ويستخدم خطابها وشعاراتها، إلا أن معيار الحكم عليه لا يكون بطريقة وصوله إلى السلطة، وإنما بما يحققه من بناء مؤسسات الدولة وتحقيق الاستقرار والتنمية.
ولذلك فإن التاريخ لا يمنح صفة الثورة مجاناً، وإنما يمنحها لمن ينجح في إعادة بناء الدولة، لا لمن ينجح فقط في إسقاطها.
وعند إسقاط هذه المعايير على التجربة السودانية تتضح صورة مختلفة كثيراً عن السرديات السياسية المتداولة.
فالثورة المهدية مثلت ثورة وطنية مكتملة الأركان في سياقها التاريخي؛ إذ استطاعت إسقاط الحكم التركي المصري، وأنشأت دولة سودانية مستقلة امتلكت مؤسساتها وجيشها وإدارتها، بصرف النظر عن الملاحظات المتعلقة بقدرتها على الاستمرار في مواجهة القوى الدولية آنذاك.
أما ثورة أكتوبر 1964م فقد مثلت انتفاضة شعبية عظيمة أنهت الحكم العسكري الأول، وأعادت الحياة السياسية، لكنها لم تنجح في معالجة الأسباب البنيوية التي قادت إلى الأزمة السودانية، فعادت البلاد بعد سنوات قليلة إلى الحكم العسكري مرة أخرى.
وجاء انقلاب مايو 1969م، الذي قُدِّم باعتباره ثورة تحمل مشروعاً سياسياً وأيديولوجياً مختلفاً، واستطاع بناء بعض المؤسسات وإحداث تحولات اقتصادية وإدارية، لكنه دخل لاحقاً في صراعات داخلية وحروب أضعفت التجربة، حتى انتهى بانتفاضة أبريل.
أما انتفاضة السادس من أبريل 1986م فقد أعادت الديمقراطية، لكنها واجهت ذات المعضلة القديمة؛ إذ عجز النظام السياسي عن إنتاج حكومة مستقرة قادرة على إدارة الاقتصاد وإنهاء الحرب وتحقيق الإصلاح المؤسسي، الأمر الذي مهد الطريق لتدخل الجيش في يونيو 1989م.
وأما ما وُصِف بثورة الإنقاذ الوطني عام 1989م، فقد جاءت في الأصل عبر انقلاب عسكري، لكنه لم يكتف بتغيير السلطة، بل أقام نظاماً سياسياً جديداً، وأعاد هيكلة مؤسسات واسعة داخل الدولة، وحقق إنجازات في مجالات البنية التحتية والتعليم العالي والصناعات الدفاعية، مقابل إخفاقات كبيرة في مجالات الحريات وإدارة التنوع السياسي والاقتصادي والعلاقات الخارجية، ولذلك بقي تقييم التجربة محل جدل واسع بين من يركز على منجزاتها ومن يركز على كلفتها السياسية.
غير أن المحطة الأخطر في التاريخ السوداني الحديث كانت ما عرف بثورة ديسمبر 2018م.
فقد خرجت الجماهير احتجاجاً على أوضاع اقتصادية وسياسية معقدة، ثم انتهت بإسقاط نظام الإنقاذ في الحادي عشر من أبريل 2019م، إلا أن ما أعقب ذلك كشف أن إسقاط النظام لم يكن مصحوباً بمشروع وطني متفق عليه لإدارة الدولة. فقد انصرف جزء كبير من الجهد السياسي إلى إدارة الصراع حول السلطة، بينما تراجع الاهتمام بإعادة بناء مؤسسات الدولة وإصلاح الاقتصاد واستعادة هيبة القانون، فدخل السودان في حلقة جديدة من الاستقطاب، غلبت فيها الحسابات السياسية على مقتضيات بناء الدولة.
فدخل السودان مرحلة انتقالية اتسمت بالاستقطاب الحاد، وتعدد مراكز القرار، وتراجع هيبة مؤسسات الدولة، وازدياد التدخلات الخارجية، وتنامي الخطابات الإقصائية، وغياب التوافق الوطني، حتى أصبحت المرحلة الانتقالية نفسها مصدراً دائماً للأزمات بدلاً من أن تكون جسراً للاستقرار.
وترافق ذلك مع انفلات أمني متزايد، واضطراب في الأداء التنفيذي، وتراجع الاقتصاد بصورة غير مسبوقة، وارتفاع معدلات التضخم، وانهيار قيمة العملة الوطنية، واتساع دائرة الفقر، وتدهور الخدمات، وتعطل قطاعات الإنتاج، وهروب الاستثمارات، فضلاً عن اتساع الشروخ الاجتماعية وتصاعد خطاب الكراهية والانقسام السياسي.
وفي خضم هذا المشهد جاءت حركة الخامس والعشرين من أكتوبر 2021م، التي قدمتها القيادة العسكرية باعتبارها حركة تصحيحية تهدف إلى معالجة اختلالات الفترة الانتقالية وإعادة التوازن إلى مؤسسات الدولة.
إلا أن الحركة، رغم نجاحها في إنهاء الشراكة السابقة وإزالة تشوهاتها، لم تستطع إنتاج توافق سياسي جديد، ولم تتمكن من بناء سلطة مستقرة تحظى بإجماع وطني، فاستمرت حالة الانقسام الداخلي، وازدادت الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية، وبقيت مؤسسات الدولة تعمل في بيئة سياسية مضطربة.
وكانت النتيجة الأخطر أن البلاد انزلقت في الخامس عشر من أبريل 2023م إلى حرب مدمرة بين القوات المسلحة ومليشيا الدعم السريع، وهي الحرب التي لم تدمر المدن والبنى التحتية والاقتصاد فحسب، بل هددت وحدة الدولة نفسها، وأدخلت السودان في واحدة من أخطر الأزمات في تاريخه الحديث.
ويبين المسار التاريخي للتحولات السياسية في السودان أن معضلة البلاد لم تكن في تغيير نظم الحكم بقدر ما كانت في عجز تلك التحولات عن بناء دولة مستقرة وفاعلة. وتفضي هذه التجارب مجتمعة إلى حقيقة جوهرية، مفادها أن تغيير الحكومات أسهل كثيراً من بناء الدول، وأن إسقاط الأنظمة لا ينتج تلقائياً مؤسسات قوية، وأن الديمقراطية لا تستقر إلا في ظل دولة قادرة، كما أن المؤسسة العسكرية، مهما بلغت، لا تكفي وحدها لبناء دولة أو إدارة مجتمع متعدد ومعقد.
كما أثبتت التجربة أن أخطر ما يصيب الأوطان ليس بقاء نظام سياسي أو سقوطه، وإنما انهيار مؤسسات الدولة نفسها، لأن الأنظمة يمكن تغييرها، أما المؤسسات فإذا انهارت احتاج بناؤها إلى عقود طويلة.
ولهذا فإن مستقبل السودان يرتبط قبل كل شيء بقدرة أبنائه على بناء دولة تمتلك مقومات الاستمرار، وتستند إلى مؤسسات قوية، وقانون نافذ، وإدارة كفؤة، ورؤية وطنية جامعة. ومن هذا المنطلق، فإن المطلوب اليوم ليس تكرار تجارب تغيير السلطة، وإنما إطلاق ثورة فكرية ومجتمعية شاملة تعيد مراجعة المفاهيم التي قادت إلى تكرار الإخفاقات، وتؤسس لثقافة سياسية تجعل بناء الدولة غايةً تسبق التنافس على الحكم.
ثورة فكرية تعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، وتؤسس لدولة المؤسسات، وسيادة القانون، والجيش الوطني المهني الواحد، والاقتصاد المنتج، والإدارة القائمة على الكفاءة، والعدالة المستقلة، والمساءلة الصارمة، ومكافحة الفساد، والتوافق الوطني الذي يجعل التنافس على إدارة الدولة لا على هدمها.
فالأمم العاقلة لا تكرر الأخطاء نفسها كل بضع سنوات، وإنما تتعلم من تاريخها، وتستفيد من أخطائها، وتبني فوق نجاحاتها، وتتجاوز إخفاقاتها.
لقد جرّب السودان الثورة، والانتفاضة، والانقلاب، والشراكة، والانتقال، والحوار، والصراع، ولم يبق أمامه اليوم إلا طريق واحد؛ إعادة بناء الدولة السودانية على أسس وطنية راسخة، بحيث تصبح مؤسساتها أقوى من الحكومات، وأقوى من الأحزاب والقبائل والطوائف، وأقوى من الأشخاص.
فالثورة الحقيقية ليست تلك التي تنتهي بإسقاط نظام، وإنما تلك التي تنجح في بناء دولة قادرة على الاستمرار، يصبح فيها تغيير الحكومات شأناً دستورياً، لا مناسبةً لثورة جديدة في كل جيل.



