الرواية الأولى

نروي لتعرف

الرأي الصين قضايا

إسهامات الصين في الحوكمة العالمية

السفير شو جيان، القائم بأعمال سفارة الصين لدى السودان

في 17 يونيو 2026، أصدر مكتب الإعلام التابع لمجلس الدولة الصيني الكتاب الأبيض المعنون «حوكمة عالمية أكثر عدلاً وإنصافًا: مبادئ الصين ومقترحاتها وإجراءاتها». ويهدف هذا الكتاب الأبيض إلى تقديم عرضٍ منهجي لمبادئ الصين ومقترحاتها وإجراءاتها في مجال الحوكمة العالمية، وتعزيز توافق أوسع وتضافر أكبر داخل المجتمع الدولي، بما يكفل استجابات أكثر فاعلية للتحديات العالمية، ويدفع نحو تحسين منظومة الحوكمة العالمية عبر الإصلاح.

ويواجه العالم اليوم تحديات جسيمة ومعقدة على نحو غير مسبوق. فالتوترات الجيوسياسية تتصاعد، فيما تتفجر النزاعات المسلحة في أكثر من منطقة. وقد دخلت الأزمة الأوكرانية عامها الخامس، بينما تواصل الأعمال العدائية في الشرق الأوسط امتدادها وتداعياتها العابرة للحدود. وفي الوقت نفسه، يتفاقم التشرذم الاقتصادي العالمي، وتواجه العولمة الاقتصادية رياحًا معاكسة شديدة، إذ تلجأ بعض الدول إلى إقامة الحواجز، واتباع سياسات فك الارتباط، وقطع سلاسل الإمداد الصناعية، وفرض تعريفات جمركية أحادية، بما يؤدي إلى إرباك النظام الاقتصادي العالمي. كما تتوالى تحديات جديدة، من بينها التحول المناخي والأمن الغذائي. وفي المقابل، تمضي الأحادية والهيمنة في تقويض القانون الدولي والقواعد الأساسية الناظمة للعلاقات الدولية. وتتنامى نزعات مناهضة العولمة والحمائية، بما يلحق اضطرابًا بالغًا بالنظام الاقتصادي الدولي. أما النظام الدولي الذي تأسس عقب الحرب العالمية الثانية، فقد تعرض لهزات عميقة بفعل أزمات متعددة، حتى باتت الحوكمة العالمية تقف عند مفترق طرق حاسم؛ فإما المضي قدمًا، وإما التخلف عن مواكبة المتغيرات. واليوم، أكثر من أي وقت مضى، يحتاج العالم إلى إحياء التعددية، وصون سيادة القانون، وترسيخ حوكمة أكثر كفاءة وفاعلية.

وفي سبتمبر 2025، وعند منعطف تاريخي بالغ الأهمية تزامن مع الذكرى الثمانين للانتصار في الحرب العالمية ضد الفاشية وتأسيس الأمم المتحدة، طرح الرئيس شي جين بينغ مبادرة جديدة هي مبادرة الحوكمة العالمية. وقد جاءت هذه المبادرة لتقديم حلٍّ صيني لسؤالين ملحّين يطرحهما العصر: أيّ نظام للحوكمة العالمية ينبغي إقامته؟ وكيف يمكن إصلاح الحوكمة العالمية وتحسينها؟
وتتمسك المبادرة بمقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وتتبنى رؤية للحوكمة العالمية تقوم على التشاور الواسع، والمساهمة المشتركة، وتقاسم المنافع. وترتكز على خمسة مفاهيم أساسية هي: المساواة في السيادة، وسيادة القانون على المستوى الدولي، والتعددية، والنهج المرتكز على الإنسان، والعمل الحقيقي الملموس. ومن خلال التصدي لجوهر الأزمات والتحديات وأسبابها الجذرية، تقدم المبادرة توجيهًا راسخًا لبناء منظومة حوكمة عالمية أكثر عدلاً وإنصافًا. ومنذ طرحها، حظيت المبادرة بترحيب واسع من المجتمع الدولي، وسرعان ما نالت دعم ما يقرب من 160 دولة ومنظمة دولية، فيما انضمت أكثر من 60 دولة إلى مجموعة أصدقاء الحوكمة العالمية. وهكذا، انتقلت مبادرة الحوكمة العالمية من مجرد مقترح صيني إلى ممارسة دولية آخذة في التبلور، وباتت تُظهر على نحو متزايد حيوية قوية وتأثيرًا متصاعدًا.

وتدعو الصين إلى بناء مجتمع ذي مستقبل مشترك للبشرية، كما تتصدر مساعي ممارسة التعددية الحقيقية، وتواصل بذل الجهود من أجل تحسين الحوكمة العالمية وإصلاحها.
ففي مجال الأمن المشترك، أوفدت الصين قوات حفظ سلام للمشاركة في 29 عملية من عمليات الأمم المتحدة لحفظ السلام، كما دفعت نحو إصدار أول بيان مشترك على الإطلاق لقادة الدول الخمس الحائزة للسلاح النووي بشأن منع الحرب النووية، مساهمةً بذلك في تعزيز الأمن الجماعي الدولي.
وفي مجال الانفتاح والتعاون، دفعت الصين بالتعاون في إطار مبادرة الحزام والطريق وفق مبادئ التشاور الواسع، والمساهمة المشتركة، وتقاسم المنافع، كما طبقت صفر رسوم جمركية على البلدان الأقل نموًا والدول الإفريقية التي أقامت علاقات دبلوماسية مع الصين، بما أضفى زخمًا إضافيًا على الاقتصاد العالمي.
وفي مجال الإنصاف والعدالة، دعمت الصين انضمام الاتحاد الإفريقي إلى مجموعة العشرين، وطرحت مبادرة للتعاون المنفتح والشامل بين دول الجنوب العالمي، في خطوة تستهدف صون مصالح دول الجنوب العالمي على نحو استباقي.
أما في مجال التضامن والتنسيق، فقد بادرت الصين إلى إنشاء المنظمة الدولية للوساطة، وطرحت المبادرة العالمية لأمن البيانات والمبادرة العالمية لحوكمة الذكاء الاصطناعي، بما أتاح منصات جديدة للتعاون الدولي في مجال الحوكمة.
وخلال هذا العام، ستستضيف الصين اجتماع قادة منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ (أبيك)، وكذلك المنتدى العالمي الأول للحوكمة في شيونغآن، وهما مناسبتان من شأنهما أن تضفيا زخمًا جديدًا على السلام والتنمية في المنطقة والعالم بأسره.

وباعتبارهما دولتين ناميتين وعضوين في الجنوب العالمي، فإن الصين والسودان يتمسكان بقوة بالتعددية ويعملان على تجسيدها في الواقع العملي. وتبدي الصين استعدادها للعمل يدًا بيد مع السودان من أجل تنفيذ مبادرة الحوكمة العالمية، والدفاع بحزم عن مكانة الأمم المتحدة وسلطتها، والتركيز على معالجة أوجه العجز في مجالي السلم والتنمية، بما يسهم في بناء منظومة حوكمة عالمية أكثر عدلاً وإنصافًا. ومن خلال هذا التعاون، يمكن للبلدين أن يساهما في إيصال ثمار الحوكمة العالمية إلى جميع الأمم، وأن يسهما معًا في صنع مستقبل أكثر إشراقًا للبشرية ولتقدم الحضارة الإنسانية.

اترك رد

error: Content is protected !!