الرواية الأولى

نروي لتعرف

الكتلة الحرجة / ود البلد

هروب عيدروس الزبيدي: كيف تحافظ الإمارات على عملائها على أطلال الأوطان؟

في الصراعات الإقليمية، لا تكون لحظة الهروب مجرد واقعة أمنية عابرة، بل كاشفًا سياسيًا بالغ الدلالة. فحين يختفي شخص مدعوم خارجيًا من المشهد، لا يكون السؤال: إلى أين هرب؟ بل السؤال الأخطر: من سيحميه؟ ولماذا؟
خلال يناير ٢٠٢٦، تصاعدت مؤشرات ميدانية وتسريبات سياسية حول خروج عيدروس الزبيدي رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن، من دائرة الفعل المباشر، عقب صدام حاد مع الرياض على خلفية تحركات انفصالية في الجنوب والشرق اليمني.
ومع غياب إعلان رسمي تفصيلي، فإن المعطيات المتقاطعة – من تحركات عسكرية، وضربات جوية استهدفت تشكيلات موالية له في الضالع، وتصاعد خطاب التخوين داخل أروقة الشرعية – تشير بوضوح إلى نهاية مرحلة، لا لشخص الزبيدي فحسب، بل لدور وظيفي أدّاه لصالح الكفيل والراعى الإقليمي المعروف.
هذه اللحظة لا تخص اليمن وحده، بل تندرج ضمن نمط أوسع: نمط إماراتي متكرر في رعاية الوكلاء المحليين، ثم تأمين خروجهم عندما تنتهي صلاحيتهم أو تتعقد مهمتهم، في مشهد يُدار بعقل استخباري بارد، لا تحكمه القيم، بل منطق واحد: حماية الأصل.
وهو نهج يعكس سياسة إماراتية تقوم على التخريب المنهجي، حيث تُستَخدم الدول العربية كساحات نفوذ، عبر عملاء يُدارون عن بعد لتفكيك الوحدة الوطنية وإطالة أمد الفوضى.

عيدروس الزبيدي: من سلاح محلي إلى وظيفة إقليمية:
لم يكن عيدروس الزبيدي ظاهرة استثنائية، بل نتاجًا طبيعيًا لبيئة جنوبية مأزومة، خرج من رحم هزيمة ١٩٩٤، وتحول مع الزمن من ضابط محدود التأثير فى القوات الجوية إلى أداة سياسية – عسكرية في مشروع انفصالي أوسع.
منذ عام ٢٠١٧، ومع تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي، لم يعد الزبيدى مجرد فاعل يمني، بل ملفًا إقليميًا مكتمل الأركان.
التمويل، التدريب، الغطاء السياسي، والسيطرة على الموانئ والمواقع الساحلية كلها عناصر لم تكن ممكنة دون رعاية خارجية واضحة، حولت قضية الجنوب من مظلومية تاريخية إلى ثغرة نفوذ لدولة تبحث عن موطئ قدم دائم على البحر العربي وخطوط الملاحة الدولية.
وحين حاول الزبيدي – أو دُفع – لتوسيع هامش الحركة شرقًا، والاقتراب من مناطق بالغة الحساسية الاستراتيجية، انتهت الوظيفة عند هذا الحد. فالوكلاء مسموح لهم بالتحرك فى إطار محدد ما دام السقف مرسومًا من الخارج.

الزبيدي وحميدتي: تشابه يتجاوز الصدفة:
المقارنة بين عيدروس الزبيدي ومحمد حمدان دقلو (حميدتي) ليست دعائية، بل بنيوية.
فالفارق بين القيادة والقوادة هنا ليس اختلاف حرف، بل تحوّل كامل في الوظيفة، حين ينتقل بعض الأفراد من ادعاء الدفاع عن قضايا وطنية إلى أداء دور الأداة في يد قوى خارجية تُدار بمنطق الخيانة والتخريب.
• كلاهما خرج من الهامش المسلح إلى مركز القوة.
• كلاهما راكم ثروته عبر السيطرة على موارد حيوية: الذهب في غرب السودان، والموانئ والسواحل في جنوب اليمن.
• كلاهما قُدّم للرأي العام بوصفه “رجل الاستقرار” و”قوة الأمر الواقع”.
• وكلاهما انقلب – أو كاد – على الدولة التي ادّعى حمايتها.
الأهم أن كليهما حظي بدعم إماراتي مباشر أو غير مباشر، تحت عناوين براقة: مكافحة الإسلاميين، محاربة الفوضى، حفظ الأمن.
لكن النتيجة كانت واحدة: التكريس لتفكيك الدولة من الداخل، وتحويل الجيوش الوطنية إلى أطراف في صراع مفتوح مع وكلاء يملكون المال والسلاح بلا شرعية، كما هو الحال مع ميليشيا الدعم السريع في السودان.

المنطق الاستخباري: لماذا لا تتخلى الإمارات عن عملائها؟
السؤال الجوهري ليس: هل دعمت الإمارات هؤلاء؟ بل: لماذا تستمر في دعمهم حتى لحظة السقوط؟
الإجابة ليست أخلاقية، بل استخبارية بامتياز. في عالم الوكالة، سمعة الكفيل أهم من مصير الدولة المضيفة.
فالتخلي العلني عن عميل واحد يعني:
• فقدان ثقة العملاء الحاليين.
• صعوبة استقطاب عملاء جدد.
• تآكل شبكة النفوذ غير الرسمي.
لذلك، يصبح تهريب الزبيدي – إن تأكد – أو توفير الحماية السياسية والإعلامية لحميدتي، استثمارًا طويل الأجل في صورة “الكفيل الذي لا يترك رجاله”، حتى لو احترقت العواصم، وتمزقت الجيوش، وتشردت الشعوب.
وهو دعم يكشف سياسة تفتقر إلى أي أساس أخلاقي، وتتعامل مع الأزمات بوصفها فرصًا لتعظيم النفوذ على حساب الشعوب والدول.

الإمارات ومأزق التفكيك:
الإمارات لا تنظر إلى الدول العربية كوحدات نسق سياسى مكتملة، بل كساحات نفوذ، وممرات بحرية، وموارد يتعين التحكم بها عبر أدوات محلية منخفضة الكلفة السياسية.
هذه ليست سياسة دولة “حديثة” كما تُسوَّق، بل سياسة إمارة أمنية تفضّل الميليشيا على المؤسسة، والولاء على الشرعية، والتفكيك على الاستقرار.
والأخطر أن هذا النهج لا يهدد اليمن أو السودان وحدهما، بل يقدّم نموذجًا قابلًا للتكرار في أي دولة عربية تعاني هشاشة داخلية، ما يجعل هذه السياسة تهديدًا مباشرًا لفكرة الدولة الوطنية والتضامن العربى.

الخلاصة: الوكيل يهرب والمشروع مستمر:
هروب عيدروس الزبيدي – أو تحييده – لا يعني بالضرورة فشل المشروع الذي صعد به، بل انتهاء مرحلته وبدء البحث عن وجه جديد، أكثر طواعية، وأقل كلفة.
في معادلات النفوذ، لا تُدفن الأفكار بسقوط الأدوات.
وما لم يُفهم هذا المنطق، ستظل الدول العربية تطارد العرض، بينما يُدار المرض من خلف الستار.
وهنا تكمن الكتلة الحرجة.

اترك رد

error: Content is protected !!