
نائب رئيس تحرير ” الأسبوع ” المصرية
✍🏼 خالد محمد علي
تتفاقم الأزمة الإنسانية في إقليم دارفور السوداني بصورة غير مسبوقة، إذ تجاوزت مرحلة الخطر وتهدد بإبادة أبناء الإقليم، حيث بات الإنسان محاصر بين مدافع المتمردين وقسوة العطش التي تطاردهم في مخيمات النزوح، ولا يقوى الأطفال على تحمل نقص المياه العذبة كما لا يستطيع الأب أو الأم إنقاذ أطفالهم من الموت البطيء الذي يلاحقهم مع غياب تام للمؤسسات الرسمية بعد استيلاء المتمردين على مدينة الفاشر ومعظم ولاية شمال دارفور، ومع استمرار القتال وتزايد موجات النزوح من مدينة الفاشر نحو المحليات المجاورة، أصبحت المياه الصالحة للشرب مورداً نادراً، بل تحولت في بعض المناطق إلى سلعة تفوق قيمتها قيمة الغذاء، ويخشى العاملون في المجال الإنساني من أن يؤدي هذا الوضع إلى كارثة صحية وبيئية واسعة النطاق، خاصة مع تراجع قدرة المنظمات الدولية على الوصول إلى المناطق الأكثر تضرراً بسبب الوضع الأمني المتدهور.
ويرتبط نقص المياه بانتشار الأمراض وسوء التغذية وانهيار الخدمات الصحية، ما يهدد حياة مئات الآلاف من الأطفال والنساء وكبار السن في مخيمات النزوح المنتشرة في شمال إقليم دارفور.
شهادات صادمة
تعكس شهادات النازحين والعاملين في المجال الإنساني حجم المعاناة اليومية التي يعيشها السكان في مخيمات النزوح.
تقول ندى التيجاني، وهي نازحة في مخيم «مسل» بمحلية طويلة: «نقف في الطابور بالمئات منذ الفجر أمام بئر واحدة تعمل بالطاقة الشمسية، أحيانًا ننتظر ساعات ثم نعود بلا ماء، أطفالي يشكون دائماً من آلام في البطن لأننا نضطر أحياناً للشرب من مياه المزارع الملوثة. المياه هنا أصبحت أغلى من الخبز».
أما تاج السر، وهو ناشط إنساني في محلية الطينة، فيؤكد أن الأزمة تتفاقم يوماً بعد يوم، قائلاً: “استقبلنا أكثر من 760 أسرة نازحة خلال الأسبوع الأول من مارس فقط. لا توجد آبار كافية، والضغط على الموارد المحدودة تسبب في توترات بين المجتمع المضيف والنازحين. نحن نعيش كارثة صامتة لا تحظى بالاهتمام الكافي من العالم.”
المأساة بالأرقام
تكشف البيانات الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية حجم الكارثة الإنسانية المتنامية في الإقليم.
تشير التقديرات إلى أن ولاية شمال دارفور وحدها شهدت نزوح ما يقرب من 1.75 مليون شخص خلال الأشهر الماضية، ويتمركز معظم هؤلاء النازحين في مدن ومحليات مثل الفاشر، وطويلة، والطينة. ومع تدفق أعداد إضافية من الفارين من مناطق الاشتباكات، أصبحت المخيمات المكتظة عاجزة عن استيعاب مزيد من السكان
وفي محلية طويلة، تفيد التقارير بأن نحو 50% من السكان والنازحين لا يحصلون على الحد الأدنى من المياه الصالحة للشرب، والذي يُقدر بحوالي 7.5 لتر للفرد يومياً وفق المعايير الإنسانية. ويضطر كثير من السكان إلى استخدام مصادر مياه ملوثة مثل البرك الزراعية أو الآبار غير المعالجة، الأمر الذي يزيد من خطر انتشار الأمراض.
وشهد القطاع الصحي تضررًا كبيرًا جراء الحرب ونقص الموارد. فقد توقفت أكثر من 35% من المرافق الصحية في دارفور عن العمل بشكل كامل، بينما تعمل المرافق المتبقية بقدرات محدودة بسبب نقص الوقود اللازم لتشغيل المولدات الكهربائية. كما تعاني المستشفيات من نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية.
وتشير توقعات المنظمات الدولية العاملة في مجال الغذاء إلى تجاوز حالات سوء التغذية الحاد في البلاد حاجز 4.2 مليون حالة خلال عام 2026، ويتركز الجزء الأكبر منها في دارفور، حيث يتزامن نقص الغذاء مع تلوث المياه وتفشي الأمراض المعوية.
وفي مدينة الفاشر وحدها ذهب ضحية أعمال العنف من جانب المتمردين إلى 4400 شخص، بينما تشير تقارير ميدانية إلى أن المئات الآخرين فقدوا حياتهم بسبب الأمراض المرتبطة بنقص المياه، وعلى رأسها الإسهالات المائية والكوليرا.
أزمة وتحديات
رغم المحاولات المحلية والدولية لإنقاذ أبناء الشعب السوداني في إقليم دارفور المنكوب، ورغم مظاهر التكافل الإنسانية التي أظهرها أبناء السودان في الخارج مع ضحايا التمرد في الداخل إلا أن هناك تحديات كثيرة تواجه عملهم ويمكن تلخيصها في الآتي:
1 النهب والتخريب
تعرضت العديد من آبار المياه ومحطات الطاقة الشمسية للتخريب أو النهب المتعمد على أيدي قوات الدعم السريع خلال سيطرتها على مدن دارفور وخاصة مدينة الفاشر ومحلياتها، ما أدى إلى خروجها من الخدمة وزاد من تبعات الأزمة.
2 الحصار والضغوط الأمنية
في معظم المناطق تمنع قوات الدعم السريع وصول صهاريج المياه والوقود إلى المخيمات، حيث تتعمد استخدام نقص المياه كوسيلة ضغط سياسي وعسكري لتهجير السكان وإذلالهم.
3 نقص التمويل
حتى الآن لم يتم توفير سوى نسبة محدودة من التمويل المطلوب لخطة الاستجابة الإنسانية لعام 2026، ما يهدد بتقليص برامج الإغاثة أو إيقاف بعضها بالكامل.
مبادرات لحصار الأزمة
رغم الظروف الأمنية المعقدة، ظهرت عدة مبادرات محلية ودولية في محاولة للتخفيف من حدة الأزمة.
تلعب غرف الطوارئ المجتمعية دوراً محورياً في تقديم المساعدات العاجلة للسكان، خاصة في المناطق التي يصعب على المنظمات الدولية الوصول إليها.
وتبرز في هذا الاتجاه غرف طوارئ الفاشر وطويلة، التي تعمل هذه على تنظيم حملات “سقيا” عبر صهاريج المياه التي يمولها متبرعون ومتطوعون من أبناء المنطقة داخل السودان وخارجه.
وبتمويل من القادرين خارج السودان أطلقت مجموعات من الشباب مبادرات الطاقة الشمسية، حيث جرى تحويل العديد من مضخات المياه اليدوية إلى أنظمة تعمل بالطاقة الشمسية، بهدف تقليل الاعتماد على الوقود الذي أصبح نادراً وباهظ الثمن.
وأمام استفحال الأزمة تحاول عدة منظمات دولية تنفيذ مشاريع طارئة في قطاع المياه والإصحاح البيئي، حيث تعمل منظمة الهجرة الدولية ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) على حفر وصيانة محطات المياه في المناطق المكتظة بالنازحين مثل الطينة وطويلة، إضافة إلى توزيع أقراص تنقية المياه ومادة الكلور.
ودعت الأمم المتحدة ضمن خطة الاستجابة الإنسانية لعام 2026 إلى توفير نحو 2.9 مليار دولار لتمويل الاحتياجات الإنسانية في السودان، مع تخصيص جزء كبير من التمويل لقطاع المياه والصرف الصحي.
كما أطلقت منظمات إقليمية مثل قطر الخيرية والهلال الأحمر الإماراتي مشاريع لإنشاء محطات مياه مدمجة في بعض مناطق النزوح التي تعد أكثر أمناً نسبياً.
وفي الجانب الصحي، تواصل فرق أطباء بلا حدود تشغيل مراكز علاج سوء التغذية وتقديم الرعاية الطبية الطارئة للأطفال والنساء.
ويبقى أن أزمة نقص المياه والخدمات في دارفور بشكل عام ومدينة الفاشر بشكل خاص مرشحة إلى التصعيد مع حلول فصل الصيف القادم واحتمالات ارتفاع نسبة الجفاف وهو ما يهدد بانتشار المزيد من الأمراض والأوبئة ووفاة جماعية للأطفال، خاصة مع تعنت قوات الدعم السريع ورفضها فتح ممرات آمنة لدخول مواد الإغاثة وقطع الغيار وصيانة آبار المياه في الإقليم.





