من آلية القاهرة إلى لقاء السيسي–بولس هل تتشكل مقاربة إقليمية–دولية جديدة للأزمة السودانية؟

في سياق إقليمي بالغ التعقيد، جاء ترؤس مصر للاجتماع الخامس لآلية تعزيز تنسيق جهود السلام في السودان من يومين ، متزامنًا مع لقاء الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بالمبعوث الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، وتصريحات وُصفت بـ«الموجبة» حيال الدور المصري ومسارات الحل في السودان.
هذا التزامن لا يمكن قراءته كصدفة دبلوماسية، بل كإشارة سياسية تعكس تحولات في إدارة الملف السوداني، ومحاولة لإعادة صياغة مقاربة مشتركة بعد فشل المسارات السابقة في وقف الحرب أو احتواء تداعياتها. والتطورات التي تشهدها منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي وباب المندب .
فالحضور الدولي المتنوع في الاجتماع، خاصة الولايات المتحدة، الخليج، والاتحادين الأفريقي والأوروبي، يمنح الآلية وزنًا سياسيًا، وربما يبتلع الرباعية، لكنه يكشف في الوقت نفسه تعدد المسارات وتضارب الأجندات دون التزام واضح بآلية تنفيذ ملزمة تنهي الحرب وتطوي صفحتها الكالحة.
أولًا: التوقيت السياسي… لحظة إعادة التموضع
يأتي هذا الحراك في لحظة مفصلية من عمر الحرب، حيث لم يعد الصراع محصورًا داخل الجغرافيا السودانية، بل تمددت آثاره إلى الإقليم بأسره:
نزوح عابر للحدود، اقتصاد حرب إقليمي، اختراقات أمنية، وتمدد نفوذ وتهديد مباشر لاستقرار البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
في هذا السياق، بات واضحًا أن المقاربة الدولية التي اكتفت بإدارة الأزمة، أو بتعدد المسارات دون تنسيق حقيقي، وصلت إلى طريق مسدود. وهو ما يفسر تزايد الاهتمام بإعادة ترتيب الأدوار، لا سيما بين القاهرة وواشنطن والرياض .
ثانيًا: القاهرة كمنصة تنسيق لا كطرف عابر
رئاسة مصر للاجتماع الخامس للآلية التشاورية تعكس سعيًا واعيًا لإعادة تثبيت القاهرة كمنصة تنسيق إقليمي، لا كمجرد طرف منخرط.
الخطاب المصري، كما عكسه وزير الخارجية بدر عبد العاطي، كان واضحًا في ثلاث ثوابت:
1. وحدة السودان وسلامة أراضيه.
2. رفض الكيانات الموازية أو مسارات التفكيك الناعم.
3. الحفاظ على مؤسسات الدولة بوصفها خط الدفاع الأخير ضد الانهيار الشامل.
هذه الثوابت تلتقي – ولو جزئيًا – مع قلق أمريكي متنامٍ من سيناريو “الدولة الفاشلة” في السودان، وربما اعادة تموضع وما قد يفتحه ذلك من فراغات أمنية وجيوسياسية تستغلها قوى دولية منافسة أو شبكات عابرة للحدود. وتعزز الدفع الاممي والإقليمي باتجاه السيادة والشرعية القائمة في السودان، تاخذ بالمحددات التي تطلقها الدولة في جعل مقاربة الحل ممكنة ومحل تقدير القيادة والشعب السوداني.
ثالثًا: دلالة لقاء السيسي–بولس… ما وراء التصريحات الموجبة
لقاء الرئيس السيسي بالمبعوث الأمريكي مسعد بولس، وما أعقبه من تصريحات إيجابية حول الدور المصري، يعكس تحولًا ملحوظًا في الخطاب الأمريكي تجاه القاهرة في الملف السوداني ويربط بالبعد السعودي.
فبعد فترة من الفتور، أو الاعتماد على مسارات متوازية كما ظلت تعكسه الرباعية التي أضعفت التأثير الأمريكي نفسه، يبدو أن واشنطن باتت أكثر ميلاً للاعتراف بأن أي مقاربة واقعية للأزمة لا يمكن أن تتجاوز مصر، بحكم الجغرافيا، والارتباط التاريخي، وتشابك المصالح الأمنية.
التصريحات “الموجبة” هنا لا تعني تبنيًا كاملًا للرؤية المصرية، لكنها تشير إلى:
• استعداد أمريكي أكبر للتنسيق بدل التجزئة وتأثيرات الإمارات .
• إدراك أن الضغط الإنساني وحده غير كافٍ دون غطاء سياسي وأمني.
• محاولة لاحتواء تضارب أدوار الحلفاء الإقليميين والدوليين داخل مسار أكثر انضباطًا، ياخذ بالتطورات على الارض ولا يكافيء التمرد.
رابعًا: توحيد المسارات… هل هو ممكن؟
أحد أهم مخرجات اجتماع القاهرة يتمثل في جمع أطراف دولية وإقليمية ذات أدوار متباينة – وأحيانًا متناقضة – في السودان. هذا الحشد يعكس اعترافًا ضمنيًا بتقدم القضية السودانية ، وبأن تشظي المبادرات (أممية، أفريقية، إقليمية، ورباعية) أسهم في إطالة أمد الحرب، ومنح أطرافها فرصة اللعب على التناقضات، وهذا لا يخدم مشروع الحل بل يمدد الأزمة ويغري التمرد بالتعنت وفرض الواقع على جرائمه.
لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في جمع الأطراف على طاولة واحدة، بل في:
• توحيد المرجعيات ووجهة الحل.
• ضبط الخطاب السياسي تجاه أطراف الصراع.
• الانتقال من بيانات الدعم إلى أدوات الضغط الفعلي ووقف الانتهاكات الصارخة التي ينتهجها التمرد.
خامسًا: الهدنة الإنسانية… مدخل سياسي أم مسكن مؤقت؟
التركيز المشترك – مصريًا وأمريكيًا – على ضرورة هدنة إنسانية عاجلة، يعكس تحولًا في الأولويات من الرهان على الحسم العسكري إلى محاولة تجميد النزاع. ليس الإشكال في مبدأ الهدنة
غير أن التجربة السودانية، كما غيرها، تُظهر أن الهدن غير المصحوبة بإطار سياسي وضمانات رقابية تتحول سريعًا إلى استراحة محارب، لا إلى مدخل للحل والسلام بل بوابة للتفكيك والانفصال وتمدد الصراع.
وهنا يبرز سؤالاً جوهرياً:
هل ثمة استعداد دولي، وخاصة أمريكي، للانتقال من خطاب “الدعوة” إلى سياسة “الإلزام”؟
سادسًا: الملكية السودانية… الإشكال المؤجل
وبرغم عدم مشاركة الدولة السودانية في اللقاء، إلا أن إعادة التأكيد على “الملكية السودانية” للعملية السياسية كان حاضرًا بقوة في اجتماع القاهرة، وهو مطلب مشروع من حيث المبدأ.
لكن المفارقة أن القوى السودانية القادرة على تجسيد هذه الملكية تعاني من:
• تفكك داخلي حاد.
• تآكل الثقة الشعبية.
• هيمنة منطق السلاح على المجال العام، ورغبة المعارضين في التمترس خلف الأجندات الاجنبية ورافعتها للحل . ما لم يُعالج هذا الفراغ، ستظل الملكية السودانية مطلبًا أخلاقيًا أكثر منها واقعًا سياسيًا قابلًا للتنفيذ. بل هنالك من يريد أن يجعل السودان ساحة صراع إقليمية ويكرس الفكرة التي تدعو الي عدم مركزية الدولة ، وهذا هو الخطر الداهم الذي تكففه التحركات الميدانية من قبل الجيش وانتصاراته، والالتفاف والاصطفاف الوطني الكبير للشعب بكل مكوناته الداعمة للدولة في خوضها حرب الكرامة .
خلاصة: نحو مقاربة جديدة أم إعادة تدوير الأزمة؟
خطاب السودان الذي قدمه رئيس الوزراء بمجلس الأمن قدّم رواية سيادية مباشرة تسعى لتغيير مقاربة المجتمع الدولي الطرفانية، بينما عبّر بيان القاهرة عن إدارة أزمة لا حلّ جذري لها؛ الأول يخاطب الشرعية، والثاني يراعي التوازنات. الفجوة بينهما هي فجوة بين منطق الدولة ومنطق الوساطة، ولابد من طريق موحد يبعد النفوذ الإشكالي ويقدم الحل العاجل والمتكامل بما تفرضه الأوضاع الإنسانية الملحة .
فالربط بين اجتماع آلية القاهرة ولقاء السيسي–بولس ، والتنسيق المصري السعودي السوداني، يكشف عن محاولة لإعادة هندسة المقاربة الإقليمية–الدولية تجاه السودان، تقوم على تنسيق أكبر بين القاهرة وواشنطن والرياض، وضبط إيقاع المسارات المتعددة في اطار موحد يقضي في فكرة الاكتفاء بالموازنات الاقليمية الي الحل المستدام. لكن نجاح هذه المقاربة يظل مرهونًا بثلاثة شروط:
1. إرادة إقليمية ودولية حقيقية لوقف الحرب لا إدارتها.
2. كبح التدخلات الإقليمية السالبة لا الاكتفاء بموازنتها.
3. الاستثمار الجاد في إعادة بناء الفاعل المدني السوداني وخيارات الداخل.
دون ذلك، سيبقى هذا الحراك مهمًا في شكله، محدودًا في أثره، بينما تستمر الحرب في إعادة تشكيل السودان على نحو أكثر هشاشة وخطورة.
وهذا ما عسكته رسالة الرئيس برهان اليوم الجمعة في الرد على ما جرى ويجري أن السودان ماض في دحر التمرد وإخراجه من كل شبر دنسه ، وبسط سلطان الدولة وهيبتها وان الشعب السوداني لن ينتظر الحلول لتأتيه من الخارج.
———————
١٦ يناير ٢٠٢٦ م



