الرواية الأولى

نروي لتعرف

من زاويةٍ أخري / محمد الحاج

مغارز السودان السبعة علي المواطن السوداني

محمد الحاج

شهدت الدارجة السودانية، مثلها مثل الأعراف والتقاليد، تحولات عميقة بفعل العولمة وتدفق أدواتها، فتبدلت المفردات وتغيّرت الدلالات، حتى غدت كلمات جديدة تعبّر عن واقعنا اليومي. ومن بين هذه المفردات كلمة “مغرزة”، التي تعني “مقلب”، وهي أصدق توصيف لحال المواطن السوداني وهو يتنقل بين مغارز الدولة بعد اندلاع الحرب. فقد تحولت الوزارات إلى هياكل خاوية، لا تخطط ولا تراقب ولا تحمي، بل تكتفي بالجباية وكأنها آلة صدئة لا تعرف من المواطن إلا جيبه. ورغم وجود بعض الاجتهادات هنا وهناك، ورغم إدراك الجميع أننا في مرحلة حرب، إلا أن ذلك لا ينبغي أن يكون ذريعة للقصور، بل دافعاً لإعادة بناء منهجية جديدة لإدارة الدولة ومعالجة أزماتها.

إعلان رئيس الوزراء كامل إدريس إيقاف ما يسمى بضريبة المواطن كان خطوة إيجابية، لكنه فتح الباب لسؤال أكبر: هل تكفي القرارات الجزئية لإيقاف نزيف المواطن، أم أن الدولة مطالبة بمراجعة شاملة لسياساتها حتى لا تتناقض مع نفسها؟ فالمطلوب ليس قرارات متفرقة، بل رؤية متكاملة تنسجم مع المرحلة الحالية وتضع المواطن في قلب الاهتمام.

وفي حديثه الأخير، وضع رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبدالفتاح البرهان ملامح واضحة لحجم الأعباء التي تثقل كاهل المواطنين، خصوصاً في ما يتعلق بالجمارك والضرائب وكل ما يمس معاش الناس بصورة مباشرة. وقد شكّل هذا الخطاب نقطة تحول مهمة، لأنه لم يكتفِ بوصف الواقع، بل أشار إلى ضرورة إصلاح المنظومة الاقتصادية والإدارية التي تحكم حياة المواطن اليومية. ومن الطبيعي أن تمتد هذه الرؤية لتشمل إعادة تفعيل أدوات الرقابة الشعبية والمجتمعية، وعلى رأسها جمعيات حماية المستهلك، التي غابت رغم أنها كانت تمثل صمام أمان للمواطن في مواجهة فوضى الأسواق وغياب الرقابة الرسمية. فإعادتها ليست خطوة إجرائية، بل جزء من مشروع إصلاحي متكامل يتسق مع ما طرحه البرهان حول ضرورة تخفيف الأعباء عن الناس وإعادة ضبط مؤسسات الدولة.

وإذا كان خطاب البرهان قد وضع الأساس النظري للإصلاح، فإن الواقع العملي يفرض استكمال هذا التوجه بخطوات تنفيذية واضحة، تبدأ بإعادة بناء منظومة الرقابة على الأسواق، وتفعيل آليات المتابعة اليومية، ووضع خطط قابلة للتطبيق لا تظل حبيسة الأدراج. فالمواطن الذي يعود إلى وطنه اليوم لا يبحث عن شعارات، بل عن دولة تستعيد دورها الطبيعي، وتوفر له بيئة معيشية مستقرة، وتمنحه الحد الأدنى من الخدمات الأساسية التي فقدها خلال الحرب.

ومع كل الجهود التي بُذلت في مجالات الطاقة والصحة وإعادة تأهيل بعض المرافق، إلا أن الواقع ما زال بعيداً عن النموذج المطلوب لخدمة المواطن. فالمغارز السبعة التي تواجه العائدين اليوم ليست مجرد مشكلات إدارية، بل هي مؤشرات على غياب مشروع إصلاحي حقيقي يعيد للدولة دورها الطبيعي.

فالجمارك، التي يفترض أن تكون أداة لتنظيم الحركة التجارية، تحولت إلى عبء يواجه العائدين من الحرب، إذ تُعامل المواطن الذي فقد كل شيء يتعامل معه كما لو لم يكن هناك حرب اتت علي الاخضر و اليابس . وهذا يكشف غياب سياسة استثنائية تراعي ظروف المرحلة وتضع الإنسان قبل الإيرادات.

أما الضرائب، فقد أصبحت نموذجاً لغياب العدالة الضريبية، إذ تُفرض على المواطن البسيط في كل خطوة، بينما تظل الأبواب مفتوحة أمام الرأسمالية الكبيرة. وهذا يعكس حاجة الدولة إلى إصلاح ضريبي شامل يعيد التوازن بين المواطن والقطاع الخاص.

وفي ملف الكهرباء، فإن فوضى الأسعار وغياب الرقابة وترك المواطن يشتري كيبلات بأسعار خيالية بعد نهب الشبكات، كلها مؤشرات على غياب دور الدولة في حماية المستهلك وضبط السوق، وكأن الوزارة تحولت إلى جهة إصدار فواتير فقط.

أما البيئة، فقد أصبحت ضحية عقلية الجبايات التي تسيطر على المحليات، حيث تُجمع الرسوم وتُترك النفايات، دون خطط واضحة لإصحاح البيئة أو مكافحة الأمراض، في وقت تتزايد فيه المخاطر الصحية على المواطنين.

وفي الأسواق، تتجلى الفوضى بأوضح صورها، إذ ترتفع الأسعار بلا ضابط، ويتحول التاجر إلى من يحدد مصير المواطن وفق حسابات الدولار والجمارك والضرائب، بينما تغيب وزارة التجارة والصناعة عن دورها الرقابي.

وفي التعليم، انهارت المدارس الحكومية وتكاثرت المدارس الخاصة، وأصبح المعلم مهموماً بمعيشته أكثر من طلابه، مما يعكس غياب رؤية لإصلاح التعليم وإعادة الاعتبار للمدرسة الحكومية.

أما الصحة، فقد أصبحت عنواناً لأزمة الدولة، فالمستشفيات بلا دواء، والأطباء بلا إمكانات، والمواطن بلا علاج، بينما تظل الوزارة حاضرة فقط في استيراد الأدوية وبيعها بأسعار لا يقدر عليها إلا أصحاب النفوذ.

إن تجاوز هذه المغارز السبعة يتطلب إرادة سياسية واضحة ورؤية تنفيذية لا تقوم على ردود الأفعال، بل على خطط فعلية تُنفَّذ على الأرض وتعيد للدولة دورها الطبيعي كحامٍ للمواطن. فالجمارك والضرائب تحتاج إلى سياسات استثنائية للعائدين، والكهرباء تحتاج إلى ضبط الأسعار ومنع الاحتكار، والبيئة تحتاج إلى خطط إصحاح حقيقية، والأسواق تحتاج إلى رقابة يومية صارمة، والتعليم يحتاج إلى إعادة بناء المدرسة الحكومية، والصحة تحتاج إلى خطة إسعافية تعيد تشغيل المستشفيات وتوفر الدواء بأسعار معقولة.

كما أن إعادة تفعيل جمعيات حماية المستهلك ضرورة ملحّة، فهي الجهة التي يمكن أن تكون عين المواطن وصوته في مواجهة الفوضى السعرية، إلى جانب إنشاء آليات رقابية مستقلة تتابع تنفيذ الخطط الحكومية وتضمن عدم انحرافها عن أهدافها.

فالمواطن السوداني لا ينتظر رفاهية، بل ينتظر دولة تعمل، تراقب، تحاسب، وتضعه في مقدمة أولوياتها. وإذا استطاعت الدولة معالجة هذه المغارز بخطط عاجلة وواقعية، فإنها ستعيد التوازن الداخلي وتفتح الباب لعودة الحياة الطبيعية، ليبدأ المواطن رحلة إعادة بناء وطنه بثقة وأمل.


٢٩ مارس ٢٠٢٦ م

اترك رد

error: Content is protected !!