الرواية الأولى

نروي لتعرف

هموم وقضايا / السفير د. معاوية التوم

مضيق هرمز: من شريانٍ إقليمي إلى معضلةٍ دولية متعددة المستويات!؟

السفير د. معاوية التوم


لم يعد مضيق هرمز مجرد ممرٍ مائي حيوي في الخليج، بل تحول إلى عقدة مركزية في معادلة الصراع الدولي، تتقاطع عندها حسابات القوة الأمريكية، والهواجس الأوروبية، واستراتيجيات الردع الإيرانية، فيما تقف بقية الأطراف الإقليمية بين القلق والترقب. فالتصعيد الجاري لم يعد يُقرأ بوصفه نزاعًا محدودًا، بل كاختبار مفتوح لإرادة القوى الكبرى، ولقدرتها على إدارة المخاطر دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة تطال أمن دول المنطقة وحركة سوق الطاقة العالمية بكاملها.

أولًا: أمركة المضيق وتدويل الأزمة
أصبح أمن مضيق هرمز قضية أمريكية بالدرجة الأولى، ليس فقط من زاوية حماية تدفقات الطاقة، بل أيضًا باعتباره ركيزة لمصداقية النفوذ الأمريكي في النظام الدولي. فواشنطن تدرك أن أي اختلال في هذا الشريان الحيوي سيُقرأ كإخفاق استراتيجي، يفتح الباب أمام قوى منافسة لإعادة تشكيل توازنات القوة.
لكن في المقابل، فإن هذا “التأميم الأمريكي” للأزمة سرعان ما يتحول إلى “تدويل قسري”، حيث تجد أوروبا نفسها معنية بشكل مباشر، بحكم اعتمادها الكبير على واردات الطاقة، وهو ما يدفعها – رغم تحفظاتها – إلى الانخراط السياسي وربما الأمني، تحت ضغط الضرورات الاقتصادية.
ثانيًا: بين خيار الخروج والهجوم البري
تبدو واشنطن أمام معادلة معقدة:
• الخروج أو تقليص الانخراط: خيار يحمل في طياته مخاطر فقدان الهيبة، وترك فراغ استراتيجي قد تملؤه قوى أخرى، كروسيا أو الصين.
• التصعيد نحو هجوم بري: وهو خيار أكثر كلفة وتعقيدًا، يستحضر في الذاكرة تجربة الحرب الروسية الاوكرانية، حيث تحولت العملية العسكرية إلى استنزاف طويل الأمد، أعاد تشكيل الاقتصاد العالمي وأثقل كاهل الفاعلين الدوليين.
إن إعادة إنتاج نموذج حرب طويلة في الخليج ستكون تداعياته مضاعفة، نظرًا لحساسية المنطقة في سوق الطاقة العالمي، ولتشابك المصالح الدولية فيها.

ثالثًا: الاستفزاز الأوروبي وحدود الانخراط
رغم أن أوروبا تُستدرج تدريجيًا إلى قلب الأزمة، فإنها تحاول الحفاظ على توازن دقيق بين دعم الحليف الأمريكي وتجنب الانخراط العسكري المباشر. غير أن استمرار التهديدات للملاحة وارتفاع أسعار الطاقة قد يدفعها إلى تجاوز هذا الحذر، خاصة إذا تحولت الأزمة إلى تهديد وجودي لاقتصاداتها.

رابعًا: الاقتصاد العالمي كرهينة للتصعيد
أحد أبرز تجليات الأزمة هو أثرها المباشر على الاقتصاد العالمي:
• ارتفاع أسعار النفط والغاز بشكل متسارع
• زيادة تكاليف النقل والتأمين البحري
• موجات تضخمية تضرب السلع والخدمات
• اضطراب أسواق الأسهم والسندات
هذا الوضع يعيد إلى الأذهان كيف يمكن لنقطة جغرافية ضيقة أن تتحكم في إيقاع الاقتصاد العالمي بأسره، وأن تُحوّل الصراع العسكري إلى أزمة معيشية عابرة للقارات.

خامسًا: ورقة باب المندب وتوسيع رقعة التهديد
تلويح إيران بإمكانية نقل التوتر إلى مضيق باب المندب يعكس استراتيجية “توسيع مسرح العمليات”، بما يضاعف الضغط على خصومها. فإغلاق أو تهديد ممرين بحريين رئيسيين في آن واحد يعني عمليًا خنق جزء كبير من التجارة العالمية، ورفع كلفة المواجهة إلى مستويات غير مسبوقة.

سادسًا: إسرائيل بين الحضور الخفي والدور الحاسم
رغم أن الخطاب السائد يركز على المواجهة الأمريكية–الإيرانية، فإن ثمة سردية موازية ترى أن اسرائيل تلعب دورًا محوريًا في رسم إيقاع الحرب، سواء من حيث لحظة الانطلاق أو سقف النهاية.
فإسرائيل، بوصفها إحدى أكثر الدول تقدمًا في القدرات الهجومية والدفاعية، تسعى إلى توجيه مسار الصراع بما يخدم أهدافها الاستراتيجية، خصوصًا في ما يتعلق بإضعاف إيران ومنعها من ترسيخ نفوذها الإقليمي.
غير أن هذه السردية – في كثير من الأحيان – تُغفل أو تُهمّش الدور الأمريكي، إما باعتباره حليفًا صامتًا أو فاعلًا خلف الكواليس، وهو ما يخلق فجوة في الفهم التحليلي لطبيعة القرار الاستراتيجي في هذه الحرب.

سابعًا: من يرسم النهاية؟
السؤال الجوهري لا يتعلق فقط بمن يشعل الحرب، بل بمن يملك القدرة على إنهائها. فالتجارب السابقة تشير إلى أن الحروب الكبرى لا تُحسم فقط بالقوة العسكرية، بل بتقاطعات المصالح، ونقاط الإرهاق، وإعادة تعريف الأهداف.
في هذا السياق، قد لا تكون أي من الأطراف قادرة على فرض نهاية حاسمة بمفردها، ما يفتح الباب أمام سيناريوهات:
• تسوية مؤقتة تُجمّد الصراع دون حله
• تصعيد تدريجي يقود إلى مواجهة أوسع
• أو إعادة تشكيل قواعد الاشتباك بما يضمن توازن ردع جديد

ثامناً: مشروع اتفاق إسلام اباد للحل
في تطورٍ لافت ضمن مسار الأزمة، برز ما يُعرف بـ”مشروع اتفاق إسلام آباد” كمحاولة لفتح نافذة تهدئة عبر وساطة إقليمية تسعى إلى تجميد التصعيد وإعادة ضبط قواعد الاشتباك، بالتوازي مع إعلان الرئيس ترامب تمديد المهلة الممنوحة للأطراف ليوم إضافي، في خطوة تعكس إدراكًا أمريكيًا لحساسية اللحظة وخطورة الانزلاق نحو مواجهة أوسع في مضيق هرمز هذا التمديد، وإن بدا تقنيًا في ظاهره، إلا أنه يحمل دلالات سياسية عميقة، إذ يمنح مسار الوساطات—وخاصة القادمة من باكستان فرصة أخيرة لاختبار إمكانات التهدئة، في وقت تتسارع فيه الحسابات العسكرية وتضيق فيه هوامش المناورة أمام جميع الأطراف.

خاتمة: المضيق كمرآة لاختلال النظام الدولي
. تكشف أزمة مضيق هرمز عن حقيقة أعمق من مجرد توتر جيوسياسي عابر: نحن أمام نظام دولي يتآكل فيه اليقين، وتتراجع فيه فاعلية القواعد التقليدية لصالح منطق القوة وتقاطعات المصالح. وفي هذا السياق، تحاول الولايات المتحدة الحفاظ على موقعها القيادي عبر مزيج من الردع والاحتواء، فيما تواصل ايران توظيف أدوات الضغط غير التقليدية لتعظيم أوراقها، بينما تقف الاتحاد الأوربي في موقع المترقب الحذر، محكوماً بهاجس الطاقة وكلفة الانزلاق.
لكن السؤال الأهم: هل نحن أمام حالة صفرية للحلول؟
الواقع يشير إلى أن مشهد المضيق يقترب من حافة الصفرية دون أن يستقر فيها بالكامل. فإغلاق المضيق أو الانفجار الشامل ليس خياراً قابلاً للاستدامة لأي طرف، نظراً لكلفته الكونية، لكن في المقابل، غياب الثقة وتضارب الحسابات يمنعان الوصول إلى تسوية مستقرة. وهكذا، يتشكل وضع هجين: لا حرب شاملة، ولا سلام مستقر، بل إدارة توتر مزمن على حافة الانفجار.
إن أخطر ما في هذه الحالة ليس الصدام نفسه، بل تطبيع اللايقين، حيث يصبح العالم رهينة لممر مائي ضيق، وتتحول كل إشارة عسكرية أو سياسية إلى متغير في معادلة الطاقة والاقتصاد العالمي. وبين منطق الردع ومنطق الحاجة، تتقلص مساحات المناورة، ويغدو المستقبل محكوماً بإيقاع الأزمات لا الحلول.
وعليه، فإن الخروج من هذه الدائرة لا يكمن في كسر الإرادات بقدر ما يتطلب إعادة إنتاج توازن مرن يعترف بحقائق القوة، دون أن يستسلم لمنطقها الصِفري. فإما أن يُعاد تعريف الأمن في المضيق كمسؤولية جماعية، أو يستمر العالم في الدوران داخل حلقة مفرغة، حيث كل تصعيد مؤجل… هو أزمة قادمة.
——————
٦ أبريل ٢٠٢٦ م

اترك رد

error: Content is protected !!