الرواية الأولى

نروي لتعرف

الرواية الأولى / مجدي عبدالعزيز تقارير

مجدي عبدالعزيز يقدم قراءة لتقرير Small Arms Survey – HSBAالعنف المُستأجَر كسياسة دولة: من موّل وشرعن تفكيك السودان؟

مجدي عبدالعزيز

تقرير تحليلي و قراءة سياسية في وثيقة بحثية دولية

ما يشهده السودان منذ 15 أبريل 2023 انتفي اختزاله في كونه “صراعًا داخليًا” أو “تنازعًا على السلطة” وفقاً للسرديات المضللة او الأحاديث المصنوعة ، بل ووفقًا لتقرير صادر عن مشروع Human Security Baseline Assessment (HSBA)— يمثل حلقة متقدمة في مسار طويل من تفويض العنف وخصخصة الحرب واستخدام الميليشيات والمرتزقة كأدوات سياسية وعسكرية داخل السودان وفي محيطه الإقليمي.

تقرير Small Arms Survey – HSBA قدّم تحليلًا توثيقيًا معمقًا يربط بين نشأة الميليشيات، واقتصادات الحرب، والتحالفات العابرة للحدود، موضحًا كيف تحوّل “العنف المُستأجَر” إلى سياسة غير معلنة تتقاطع فيها مصالح فاعلين محليين وإقليميين ودوليين.

من هي الجهة التي أصدرت التقرير؟

Small Arms Survey هو مركز أبحاث دولي مستقل مقره جنيف، ومتخصص في دراسة انتشار السلاح الخفيف، والعنف المسلح، واقتصادات الحرب، ويُعد من أكثر المؤسسات البحثية اعتمادًا لدى الأمم المتحدة والمنظمات الدولية.
ويُدار مشروع HSBA منذ عام 2006 بوصفه برنامجًا بحثيًا طويل الأمد يركّز على السودان وجنوب السودان، ويهدف إلى توفير تحليلات يقول انها : ( تدعم سياسات الحد من العنف، وإصلاح القطاع الأمني، وبناء السلام) .
وعليه، فإن التقرير محل القراءة وثيقة بحثية مرجعية، لا تعبيرًا عن رأي سياسي، بل توصيفًا تحليليًا يستند إلى مصادر ميدانية وتاريخية موثقة.

أولًا: الدعم السريع… ميليشيا صُنعت داخل الدولة ثم خرجت عنها

يؤكد التقرير أن قوات الدعم السريع لم تنشأ كحركة متمردة خارج مؤسسات الدولة، بل كنتاج مباشر لسياسات النظام السوداني السابق في دارفور، حين جرى تفويض العنف لميليشيات قبلية لمواجهة التمرد المسلح.

ووفق التقرير، فإن هذا النموذج—الذي استهدف تقليل كلفة الحرب على الدولة—أفضى تدريجيًا إلى:
• تضخم قوة عسكرية غير نظامية
• نشوء اقتصاد مستقل قائم على الذهب والتهريب
• بناء شبكات تحالف خارج السيطرة المؤسسية

وعليه، فإن الصدام اللاحق بين الدعم السريع والدولة لم يكن حدثًا طارئًا، بل نتيجة بنيوية لمسار قائم على تسليح فاعلين خارج الدولة ومنحهم شرعية الأمر الواقع.

ثانيًا: دارفور… من هامش دولة إلى محور اقتصاد حرب إقليمي

يُبرز التقرير أن دارفور أصبحت جزءًا من فضاء أوسع يضم جنوب ليبيا وشرق تشاد وشمال جمهورية إفريقيا الوسطى، وهو فضاء يتميز بضعف سيطرة الدول المركزية، وازدهار اقتصادات العنف العابرة للحدود.

في هذا السياق، يلفت التقرير إلى تداخل مسارات مقاتلين سودانيين وتشاديين مع قوات الجيش الوطني الليبي (بقيادة خليفة حفتر)، حيث جرى توظيف مقاتلين من دارفور ضمن الصراع الليبي، مقابل المال والسلاح، في نموذج واضح لتدوير المقاتلين داخل سوق إقليمي للعنف.

ثالثًا: مجموعة فاغنر… الخصخصة الروسية للصراع

يوثق التقرير الدور الذي لعبته مجموعة فاغنر في السودان وليبيا وجمهورية إفريقيا الوسطى، بوصفها شركة عسكرية خاصة عملت على:
• التدريب والدعم القتالي
• تأمين أنظمة سياسية
• الحصول على امتيازات اقتصادية، خاصة في قطاع التعدين

ويشير التقرير إلى أن استخدام فاغنر يعكس توجهًا متناميًا لدى قوى دولية لتقليل الكلفة السياسية للتدخل العسكري عبر وكلاء غير رسميين، مع ما يحمله ذلك من تداعيات خطيرة على المدنيين واستقرار الدول الهشة.

رابعًا: الإمارات ونموذج الحرب بالوكالة

بحسب التقرير، برزت دولة الإمارات العربية المتحدة كفاعل إقليمي يعتمد على دعم وكلاء مسلحين ومرتزقة لتحقيق أهدافه السياسية والأمنية، في ظل محدودية الانخراط العسكري المباشر.

ويشير التقرير تحديدًا إلى:
• دعم لوجستي ومالي لشبكات مرتبطة بالدعم السريع
• استخدام مسارات إمداد عبر دول الجوار
• تجنيد مقاتلين أجانب، بينهم مرتزقة من أمريكا اللاتينية، لدعم عمليات الدعم السريع في دارفور

ويؤكد التقرير أن هذه الممارسات تعكس الطابع المعولم لاقتصاد الحرب، لا سيما في البيئات الهشة.

خامسًا: السلام كمرحلة تفاوض في سوق العنف

من أخطر خلاصات التقرير أن الحرب والسلام يخضعان للمنطق نفسه في سياق اقتصاد الحرب. فالقادة المسلحون يتعاملون مع اتفاقيات السلام بوصفها:
• فرصًا لإعادة التفاوض
• ومحطات لإعادة تسعير القوة العسكرية

ويحذر التقرير من أن اتفاقيات السلام القائمة على صفقات النخب أو الدمج الشكلي للمليشيات، قد تعيد إنتاج العنف بدل إنهائه ما لم تُفكك شبكات التمويل والتهريب.

خلاصة تحليلية

لا يقدّم تقرير Small Arms Survey اتهامًا سياسيًا، لكنه يرسم صورة دقيقة لمنظومة إقليمية ودولية حوّلت العنف إلى سلعة، والميليشيات إلى وكلاء، والدول الهشة إلى ساحات صراع مفتوحة.

ويخلص التقرير إلى أن السلام المستدام في السودان لن يتحقق عبر نزع سلاح شكلي أو صفقات نخبوية، بل عبر:
• تجفيف شبكات التمويل العابرة للحدود
• ضبط تدفق السلاح
• وإعادة بناء الحكم المدني في الأطراف

وإلا فإن السودان سيظل—كما يصفه التقرير—رهينة اقتصاد حرب لم ينشأ من الهامش وحده، بل تغذّى من خارجه واستُثمر فيه.

اترك رد

error: Content is protected !!