مترتبات مسيرة سنجة وهشاشة الترتيبات الأمنية: دروس قاسية في لحظة انتقال حرجة

لم تكن مسيرة سنجة حدثًا عابرًا في سياق الحرب الدائرة وتعقيداتها الأمنية، بكل ما ترتب عليها من شهداء وجرحي وخسائر في الـ ممتلكات. بل شكّلت إنذارًا متجددًا بشأن هشاشة الترتيبات الأمنية، وخطورة الاستخفاف ببيئة التهديد المركّب التي ما زالت تحيط بالدولة السودانية في كل مرفق، خصوصًا في لحظة يُفترض أنها تمهّد لانتقال الحكومة المدنية وعودة مؤسسات الدولة إلى الخرطوم. فالعملية – بصرف النظر عن أدواتها المباشرة – أعادت طرح أسئلة جوهرية حول حجم الاختراق، وفاعلية الأجهزة، وطبيعة المعركة التي لم تعد تقليدية، بل ممتدة في الزمان والمكان والعقول.
إن ما جرى في سنجة اليوم يندرج ضمن نمط متكرر من العمليات اليومية في ساحات المعركة التي تعتمد على الخلايا النائمة، والاختراق الاستخباري، واستغلال الثغرات الإجرائية، والنفوذ المادي باستغلال ضعفاء النفوس، وليس فقط على القوة العسكرية الصلبة. وهذا النمط يؤكد أن التمرد – مدعومًا برعاته الإقليميين وشبكات مصالحه الداخلية الممتدة– لم يفقد قدرته على المبادرة، ولا يزال يحتفظ بأدوات تخريب نوعية قادرة على إرباك المشهد بالهشاشة والتوترات وإرسال رسائل تخويفية وسياسية وأمنية في توقيتات حساسة يجب مراعاتها.
أولًا: الانتقال إلى الخرطوم… اختبار أمني لا يحتمل المجاملة
الحديث عن انتقال الحكومة المدنية إلى الخرطوم لا يمكن فصله عن سؤال الأمن بكل ركائزه. فالخرطوم، بما تمثله من رمزية سيادية وثقل إداري ومراكز قرار، تظل الهدف الأبرز لأي محاولات تخريبية تسعى إلى تقويض الاستقرار، أو ضرب الثقة في قدرة الدولة على حماية نفسها ومؤسساتها. وعليه، فإن أي اجتماع رفيع المستوى، أو نشاط سياسي او حشود داعمة، أو عودة تدريجية للمؤسسات، يجب أن يُتعامل معه باعتباره عملية أمن قومي استراتيجي، لا مجرد إجراء إداري أو سياسي تعبوي .
ما تفرضه هذه المرحلة هو الانتقال من عقلية “إدارة الحدث” إلى عقلية “منع الحدث”، عبر بناء طوق أمني متعدد المستويات، وشبكات امان احترازية بخطط محكمة تاخد في حسبانها أدق التفاصيل، تدمج بين العمل الاستخباري الاستباقي، والتأمين الميداني الصارم، والانضباط المعلوماتي، وعدم التساهل مع أي مظاهر رخاوة أو تداخل صلاحيات، بما يحقق أقصى الأهداف ويؤمن المخاطر المتحملة.
ثانيًا: الخلايا النائمة… العدو غير المرئي
أثبتت التجارب الأخيرة، ومنها مسيرة سنجة، وقبلها لايام مسيرة بالأبيض استهدفت اسرة كاملة بلغت الضحايا ١٠ اشخاص. ان الخطر الأكبر لم يعد في الجبهات المفتوحة، بل في الخلايا النائمة المزروعة داخل المدن، وفي الأرياف والمؤسسات. وسنجة لها تجربة قاسية مع التمرد لشهور تظل آثارها باقية، وأحيانًا داخل أجهزة الدولة نفسها. هذه الخلايا تعمل بصمت، وتنتظر لحظة مناسبة، وتستفيد من الفوضى الإدارية، وضعف التنسيق، وتسريب المعلومات، لتنفذ عمليات ذات أثر نفسي وسياسي يفوق حجمها المادي.ولك ان تتصور عزيزي القاري وجود ٣ ولاة وأطقم إدارية وفنية، وربما تكون كل اجهزة الهواتف في حالة عمل داخل موقع الاجتماع ، وهنالك رقابة وأقمار صناعية واتصالات بشبكات خارجية تتابع مثل هذه الأنشطة وتتدخل من الخارج لنسف اي ملمح للأمان والاستقرار .
وهنا تبرز الحاجة الملحّة إلى:
• إعادة فحص وتدقيق شامل للكوادر العاملة في المواقع الحيوية والعسكرية.
• تفعيل آليات الفرز الأمني المستمر، لا الموسمي، وإنفاذ مطلوبات الامن الشخصي والذاتي.
• تشديد الرقابة على الاتصالات، وحركة المعلومات، وسلاسل القرار.
• التعامل الصارم مع أي مظاهر تواطؤ أو تساهل، مهما كان موقع صاحبها.
. ابعاد الهواتف السيارة عن اي اجتماع وتوفير معدات التشويش والإنذار بالمواقع الحساسة.
ثالثًا: حجم الاختراق… مسؤولية داخلية قبل أن تكون مؤامرة خارجية
لا شك أن للتمرد رعاة إقليميين وداعمين خارجيين، (تاسيس وصمود والعناصر التي تتعامل من خارجهم بالمال)، لكن تحميل الخارج كامل المسؤولية يُعد تبسيطًا مخلًا وإن بدى. فنجاح أي اختراق لا يتم إلا بوجود ثغرة داخلية: إهمال، فساد، ضعف كفاءة، أو انقسام داخل مؤسسات الدولة. وما لم تتم مواجهة هذه الأسباب البنيوية بشجاعة، فإن تكرار العمليات سيظل قائمًا “كل يوم”، كما أظهرت الوقائع والشواهد.
إن إصلاح الأجهزة الأمنية عملية ممتدة لا يعني فقط تغيير القيادات، بل:
• إعادة بناء العقيدة الأمنية على أساس حماية الدولة لا حماية الأشخاص.
• توحيد غرف القيادة والسيطرة.
• إنهاء الازدواجية والتنافس غير الصحي بين الأجهزة النظامية وأعمال المهنية في مثل هذه الترتيبات.
• إخضاع العمل الأمني لرقابة مؤسسية محترفة دون المساس بسرّيته.
رابعًا: الاجتماعات رفيعة المستوى… قواعد جديدة للتأمين
في سياق الحرب والاختراق، لا يجوز التعامل مع الاجتماعات السياسية والأمنية الرفيعة بذات القواعد القديمة. المطلوب هو بروتوكول أمني صارم يشمل كل منظوم الدولة مع التدريب :
• تغيير أنماط الحركة والتوقيتات.
• تقليل التسريبات الإعلامية المسبقة.
• تأمين محيط الاجتماعات لا قاعاتها فقط.
• الربط المباشر بين الأجهزة الاستخبارية ووحدات الحماية الميدانية.
• الاستعداد لسيناريوهات الطوارئ، لا الاكتفاء بالخطط المثالية.
. العودة للاجتماعات الاسفيرية عبر التقانة الآمنة لتقليل الخسائر والتحسب للأسوأ.
خامسًا: الدروس المستفادة… ما الذي يجب فعله الآن؟
أهم درس من مسيرة سنجة وما يشابهها في مواقع حيوية كثيرة واستراتيجية، هو أن الحرب لم تنتهِ بعد، حتى وإن تغيّر شكلها. وهي حرب تستهدف كسر الإرادة، وبث الشك، وإظهار الدولة بمظهر العاجز. لذلك، فإن المطلوب في هذه المرحلة يتمثل في:
1. إعلان أمني واضح بأن الانتقال السياسي لن يتم على حساب السلامة العامة.
2. إعادة ترتيب الأولويات: الأمن أولًا، ثم السياسة.
3. إشراك الخبرات الوطنية المستقلة في تقييم الأداء الأمني.
4. إرسال رسالة حازمة للداخل والخارج بأن الدولة تعلّمت من أخطائها. وتفادي الاجتماعات التحشيدية في هذا التوقيت.
إن مسيرة سنجة ليست حادثة معزولة، بل حلقة في سلسلة إنذارات ومؤامرات متكررة. والفرق بين دولة تتماسك ودولة تتآكل، هو قدرتها على تحويل الإنذارات إلى إصلاحات، والأخطاء إلى دروس، والتحديات إلى فرصة لإعادة البناء. فالانتقال إلى الخرطوم، إن لم يُحاط بأقصى درجات الحيطة والحذر والترتيب الأمني المحكم، واحكام حلقات التلقين الامني ورفع الوعي الجمعي والإداري بمثل هذه الاجراءات سيفاقم من التبعات . بل قد يتحول من خطوة أمل إلى ثغرة جديدة في جسد الدولة المنهك. والتاريخ لا يرحم الدول التي لا تتعلم.نعم للانتقال للخرطوم وما ترسله هذه الخطوة المهمة من رسائل وغايات هادفة ، ولكنها لابد من أن تتبع بمنظومة امان وترتيبات امنية صارمة القواعد والمحاذير لحين استتباب الامن وتوفر مطلوبات السلامة والتغطية الجوية والمضادات الأرضية في كل مدينة وموقع حيوي او استراتيجي. وتظل سلامة المدنيين والأعيان المدنية غاية كبرى للدولة ، رغم كل التضحيات، يتوجب ان توظف لأجلها كل طاقة لتفادي المخاطر والجلبة الإعلامية من وراء مثل هذه المحاولات اليائسة للتمرد.
—————-
١٤ بنار ٢٠٢٦م



