الرواية الأولى

نروي لتعرف

من زاويةٍ أخري / محمد الحاج

ماذا يعني قدوم الفريق أول ياسر العطا رئيساً للأركان؟

محمد الحاج

إن تعيين الفريق أول ياسر العطا في هذا المنصب يمثل لحظة فارقة في مسار المؤسسة العسكرية السودانية، ويعكس إرادة واضحة لإعادة ترتيب القيادة في ظل حرب ممتدة مع مليشيات الدعم السريع، وتحديات داخلية وخارجية تهدد وحدة الدولة. لكن أهمية هذا القرار لا تكمن فقط في الجانب العسكري، بل في شخصية الرجل نفسه، ومسيرته منذ ثورة ديسمبر 2019 وحتى اليوم، والتي جعلت منه رمزاً لدى قطاعات واسعة من الشعب السوداني وخصوصاً الشباب.

فمنذ سقوط نظام البشير، كان العطا أحد أبرز أعضاء المجلس العسكري الانتقالي، مشاركاً في المفاوضات مع قوى الحرية والتغيير، ومؤكداً أن الجيش هو الضامن لوحدة البلاد. لكنه في الوقت نفسه رفض أن يكون جزءاً من مسارات مشوهة، مثل لجنة إزالة التمكين، التي رأى أنها تحولت إلى أداة للتصفية السياسية أكثر من كونها وسيلة لتحقيق العدالة. قدم استقالته من اللجنة حفاظاً على نقاء سيرته، معلناً أنه لا يثق في من كانوا يقودونها، وأنه لا يريد أن يُسجل اسمه في تجربة شوهت صورة الدولة أمام مواطنيها. هذا الموقف عزز صورته كرجل يسعى إلى أن يبقى نقياً في مساره، بعيداً عن الحسابات الضيقة.

اما في الحرب ضد مليشيات الدعم السريع و منذ اندلاعها في ١٥ أبريل ٢٠٢٣، اتسمت مواقفه بالوضوح والصرامة. فلم يكن الفريق أول ياسر العطا من دعاة التسويات الهشة، بل ظل يؤكد أن هذه المليشيات لا يمكن أن تكون جزءاً من مستقبل السودان، وأن المعركة معها هي معركة وجودية.فعبارته الشهيرة “بل بس” تحولت إلى شعار شعبي يردده المواطنون في الأسواق والميادين، كرمز للإصرار على المقاومة حتى النهاية. هذه القدرة على تحويل خطاب عسكري إلى رمز شعبي تكشف عن شخصية قادرة على التواصل مع وجدان الجماهير، وهو ما يفسر موجة الفرح التي اجتاحت الشارع السوداني عند إعلان تعيينه.

ام في مسالة التدخلات الخارجية فكان له السبق في إعلانها مدوية بفضح الداعمين الاقليميين و خاصة الدور الإماراتي الذي اتهمه علناً بدعم مليشيات الدعم السريع. هذا الموقف الصريح عزز صورته كقائد وطني لا يساوم على سيادة بلاده، وأعطى المواطنين شعوراً بأن قيادة الجيش تضع مصلحة السودان فوق أي اعتبار. ففي بلد أنهكته التدخلات الإقليمية، تمثل هذه المواقف قيمة مضاعفة، وتتحول إلى مصدر ثقة للمواطنين الذين يبحثون عن قيادة صلبة في مواجهة الضغوط الخارجية.

الأكثر أهمية هو وقوفه مع المقاومة الشعبية، تلك القوى المدنية والشبابية التي فجرت ثورة ديسمبر ثم وجدت نفسها في جبهات القتال دفاعاً عن مدنها وقراها. العطا لم يتعامل معهم كقوة ثانوية، بل اعتبرهم شركاء حقيقيين في المعركة، وهو ما جعل قطاعات واسعة من لجان المقاومة والشباب الثائرين يرون في تعيينه انتصاراً لهم أيضاً. هذا التلاقي بين الجيش والمقاومة الشعبية يعكس تحولاً في طبيعة العلاقة بين المؤسسة العسكرية والمجتمع، ويعطي المواطنين شعوراً بأن تضحياتهم لم تذهب سدى.

فرحة السودانيين بقدوم ياسر العطا رئيساً للأركان لم تكن مجرد رد فعل عاطفي، بل هي انعكاس لإحساس جمعي بأن الرجل يجسد إرادتهم في الحسم، ويمثل امتداداً لروح الثورة التي لم تنطفئ رغم الحرب. إن تعيينه يفتح الباب أمام مرحلة جديدة، حيث يلتقي صوت المؤسسة العسكرية مع صوت الشارع، وحيث يصبح الأمل في استعادة الدولة أكثر واقعية. وفي بلد أنهكته الانقسامات، فإن شخصية مثل العطا، بخطابها الصريح ومواقفها الحاسمة، قد تكون نقطة ارتكاز لإعادة بناء الثقة بين الجيش والشعب، وإعادة رسم ملامح المستقبل.

وبهذا المعنى يصبح قدوم الفريق أول ياسر العطا رئيساً للأركان حدثاً يتجاوز حدود التغيير الإداري داخل المؤسسة العسكرية، ليشكل نقطة ارتكاز في الوعي الجمعي السوداني، ويؤكد أن السودان يدخل مرحلة عنوانها الحسم والمواجهة، وأن الشعب يرى في هذا القرار خطوة نحو استعادة السيادة والكرامة الوطنية، مع قائد اختار أن يحافظ على نقاء سيرته وأن يقف إلى جانبهم في أصعب المعارك.


٢ أبريل ٢٠٢٥م

اترك رد

error: Content is protected !!