الرواية الأولى

نروي لتعرف

من زاويةٍ أخري / محمد الحاج

مؤتمر برلين: صناعة الأزمة ونفاق المجتمع الدولي

محمد الحاج

منذ اندلاع الحرب في السودان في 15 أبريل 2023 إثر تمرد مليشيا الدعم السريع، ظل المجتمع الدولي يتعامل مع الأزمة بسطحية مريبة، وكأنها قضية هامشية لا تستحق الجدية. هذا الموقف لا يمكن وصفه بمجرد تقصير سياسي، بل هو انعكاس لنهج ممنهج يقوم على ازدواجية المعايير وانتقائية القيم. ففي حين تُبذل جهود هائلة لحل أزمات في مناطق أخرى، يُترك السودان ليواجه مصيره وحده، بلا دعم حقيقي ولا إرادة صادقة لإنهاء الحرب، بينما تُرفع شعارات حقوق الإنسان والديمقراطية فقط حيثما تخدم مصالح القوى الكبرى، وتُغضّ الأبصار عن الجرائم والانتهاكات التي ترتكبها هذه المليشيات بحق الشعب السوداني.

تعدد المؤتمرات الدولية من باريس إلى برلين مروراً بأديس أبابا لم يكن سعياً للحل، بل مجرد بيانات إنشائية ووعود فارغة. هذه المؤتمرات تحولت إلى أدوات لإعادة إنتاج الهيمنة وفرض أجندات خارجية، إذ تُستخدم كمنصات لإضفاء شرعية على المليشيات وداعميها، وفتح المجال لهم للمشاركة في المشهد السياسي السوداني، في محاولة لفرض واقع مشوّه لا يعكس إرادة السودانيين ولا يحترم سيادتهم. إن هذا النهج ليس سوى تكتيك لإبقاء السودان في حالة هشاشة تسمح بتدخلات مستمرة واستنزاف موارده، عبر إدارة الأزمة بدلاً من إنهائها.

الأدهى أن الدواعي الإنسانية أصبحت تُستغل كغطاء لتمرير أجندات سياسية. فالمساعدات الإنسانية تُطرح وكأنها وسيلة لإنقاذ الأرواح، لكنها عملياً تتحول إلى أداة ضغط سياسي، تُستخدم للاعتراف بالمليشيات وداعميها ومنحهم مقاعد على طاولة القرار. هذا الاستخدام النفعي للمعاناة الإنسانية يكشف أن المجتمع الدولي لا يسعى إلى إنهاء الحرب، بل إلى إدارتها بما يضمن مصالحه، حتى لو كان الثمن استمرار نزيف الدم السوداني.

إذا أراد المجتمع الدولي أن يثبت جديته في البحث عن حلول حقيقية للأزمة السودانية، فعليه أن يتوقف عن سياسة التجاهل المتعمد لما طرحته القيادة السودانية من رؤى واضحة تعبر عن إرادة غالبية أبناء الشعب. هذه الحلول لا تحتاج إلى وصاية خارجية، بل إلى موقف دولي مسؤول وإجراءات عملية تترجمها على أرض الواقع، ويمكن تلخيصها في الآتي:

  • وقف التدخلات الأجنبية في الشأن السوداني: إذ لا يمكن بناء سلام راسخ في ظل أجندات مفروضة من الخارج.
  • وقف الدعم العسكري والمالي للمليشيات من الدول الداعمة، لأن استمرار هذا الدعم هو الوقود الذي يغذي الحرب ويطيل أمدها.
  • التزام المليشيات بتسليم سلاحها وفقاً لاتفاقية جدة، وهو ما يعني إنهاء العدائيات وفتح الطريق أمام عملية سلام شاملة تنهي الحرب.
  • عقد مؤتمر سلام وطني داخل السودان، ينطلق من حوار سوداني–سوداني صادق، يفتح جميع المسارات بما فيها المصالحة المجتمعية، ليعيد اللحمة الوطنية ويضع الأساس لسلام مستدام يعبر عن تطلعات الشعب السوداني.

الشعب السوداني وقواه المجتمعية باتوا يدركون تماماً أن ما يُخطط له خلف الكواليس هو إسقاط السودان في أفخاخ تؤدي إلى تفككه، عبر صناعة واقع سياسي هشّ وتغذية الانقسامات وإضعاف الدولة الوطنية. لذلك أصبح الوعي الشعبي هو خط الدفاع الأول ضد هذه المخططات، إذ يدرك السودانيون أن أي حل لا ينبع من الداخل ولا يقوم على إرادة وطنية خالصة لن يكون سوى تكريس للأزمة وإطالة لمعاناة البلاد.

إن مؤتمر برلين وغيره من المؤتمرات الدولية لن يحقق السلام في السودان، لأنه ببساطة لا ينطلق من إرادة السودانيين ولا يعكس أولوياتهم. السلام الحقيقي لن يأتي من الخارج، بل يُصنع من الداخل بأيدٍ سودانية وبأجندة وطنية خالصة تعبر عن تطلعات الشعب، ومن خلال حوار وطني صادق ووقف التدخلات الخارجية التي لا ترى في السودان سوى ساحة لتصفية الحسابات وممارسة النفوذ.

محمد الحاج
٩ أبريل ٢٠٢٦م

اترك رد

error: Content is protected !!