
وجد الدكتور عادل عبد العزيز حامد بعد محاولة الكتابة عن تجربة حكم الإسلاميين في السودان نفسه، أمام حزمة من المقالات يسير في درب قد يقوده إلى كتابة مبكرة رصينة لتاريخ تجربة الإسلاميين في حكم السودان عبر ثورة الإنقاذ الوطني في السودان 1989 ــ 2019.
وأصل الحكاية أن الدكتور عادل عبد العزيز محرر كتاب (تجربة حكم الإسلاميين في السودان ــ 1989 ـ 2019) الصادر عن دار الأصالة للنشر في القاهرة في مايو 2023م، قد استقر في ذهنه أن يحرر كتابا يجمع فيه مقالات ودراسات من كتاب آخرين مختلفي الاتجاهات والأفكار لتقييم تجربة حكم الإسلاميين في السودان في فترة تعد الأطول في تاريخ السودان منذ الاستقلال في 1956.
22 كاتبا
على مدى ثلاث سنوات من الاتصالات والملاحقات والمتابعات تمكن محرر الكتاب من جمع 22 كاتبا دونوا 23 مقالا عن تجربة حكم الإسلاميين في السودان، واحتلت هذه المقالات 414 صفحة من حجم الكتاب البالغ 444 صفحة.
وأضاف محرر الكتاب إلى هذه المقالات أربعة أقوال لآخرين كان أبرزهم الراحل الطيب صالح. وختمه بملحق يحتوي على نص مذكرة الألف عضو من القيادات الوسيطة التي تم رفعها لقيادة المؤتمر الوطني. وهنا الجزء الخامس والأخير من القراءة؛
عودة الوعي
حملت مشاركة الكاتب والصحافي المرموق رئيس صحيفة (إيلاف) الاقتصادية، الدكتور خالد التجاني النور عنوان: الإسلاميون بين النوستالجيا واستحقاقات عودة الوعي.
يتسأل الدكتور خالد: أين تكمن علة الحركة الإسلامية السودانية، ما داؤها وما هو دواؤها، وما هو سبب ورطتها الحقيقي، وهل من سبيل إلى مخرج من مأزقها العميق الحالي وما جره حكمها على البلاد والعباد، وكيف ذلك؟.
ورغم أن المقال كتب ونشر قبل نحو عشر سنوات من سقوط الإنقاذ، إلا أنه يحمل نبوءة مبكرة لمألات الأحداث في السودان، وهذا ما يحمد للكاتب. وفي نقاط محددة نحاول أن نفكك الإفادات المتشابكة في طريق عودة الوعي للعباد والبلاد.
1/ ينبهنا الدكتور خالد إلى تكاثر حمَّى المذكرات الاحتجاجية من الإسلاميين بعد أن بانت عواقب تبعات التيه الذي طال أمده بذهاب ريح حركة الإسلام السياسي في السودان فحسب، بل بتهديد وشيك غير مسبوق ينذر بذهاب ما تبقى من أوتاد الوطن.
2/ يلتفت الدكتور خالد إلى جنوح غالبية الإسلاميين إلى (تحميل تلك الفئة المسيطرة حالياً على مفاصل سلطة (الحاءات الثلاث)، الحركة والحزب والحكومة، وهم للمفارقة الوجوه نفسها على تعاقب فصول السنوات العشرين الماضية وتقلباتها السياسية، باعتبارها الطرف الوحيد المسؤول بالكامل عما آل إليه سوء الحال والمُنْقَلَب الذي حاق بالحركة الإسلامية).
3/ يخلص إلى أن تشخيص الأزمة إلى أنها (نتيجة لانفراد هذه الفئة بالأمر واستئثارها بالسلطة وتحكمها بالقرار في مصائر البلاد والعباد، وتجاهلها لمرجعية الحركة، وأن ذلك هو أس كل البلاء، وأن الحل يكمن في إعادة إحياء الحركة الإسلامية واستعادة وحدتها ودورها المرجعي وتجديد القيادات. وفي الواقع فإن هذا النمط من التفكير الغالب في أوساط الإسلاميين” يعكس اتجاهاً محافظاً وعقلية تقليدية لا تبدو مدركة لحجم فقدان المصداقية الذي لحق بالحركة، ولا تبدو مستعدة لإصلاحات جذرية، بل تنكفئ على مسعىً واحدٍ واضحٍ يهدف بالأساس للمحافظة على الوضع الراهن مع إدخال بعض التحسينات الشكلية وتبديل في الوجوه تحت لافتة تغيير محسوب، محدود الأفق، ومنخفض السقف للغاية).
4/ ويستطرد الدكتور خالد (من الخفة بمكان أن ينظر للأمور بعد كل هذه السنوات الطويلة من التجربة المتعثرة للحكم وكأن الأزمة هي مجرد مشكلة تنظيمية تتعلق بمغالطات حول وجود الحركة الإسلامية الفعلي، أو دورها المرجعي المفقود أو المسلوب، أو احتكار فئة للقيادة واستئثارها بالسلطة، الواقع أن هذا كله صحيح جزئياً، ولكنها تبقى مجرد نتائج عرضية، وأعراضاً لمرض دفين، وليس بأي حال من الأحوال أسباباً حقيقية لجوهر الأزمة).
5/ يصل الدكتور خالد إلى أن (أزمة الحركة الإسلامية الحقيقية التي ينبغي الاعتراف بها هي أزمة فكرية ومنهجية بالأساس ترتبت عليها ممارسة ذرائعية وميكافيلية للسياسة تحت لافتة شعارات إسلامية براقة دون التقيد بما يمليه الوازع الديني أو الأخلاقي المكافئ لمن يتجرأ على رفع مُثل الإسلام التي تتطلب درجة عالية من الالتزام والحس الأخلاقي والضمير الحي).
6/ يشدد الدكتور خالد إلى أن (خطيئة الحركة الإسلامية الكبرى وجنايتها التي لا تغتفر إقدامها على الإنقلاب العسكري في العام 1989، فقد كان المضي في طريق الإنقلاب قرار انتحاري قصير النظر، ربط مصير الحركة بقنبلة السلطة الموقوتة، لقد كان طريقاً ذا اتجاه واحد رهنت فيه الحركة الإسلامية مصيرها النهائي بمصير سلطة انقلابية).
يختم الدكتور خالد ورقته بالقول بأن (التيار الإسلامي سيظل موجوداً لا يمكن شطبه أو إلغاء دوره أو محوه، ليس بأشخاص بعينهم بالضرورة أو بهذه اللافتة أو تلك، وسيظل هناك من يدعون لتيار إسلامي رشيد لأنه يعبر عن أفكار وتوجهات لها جذور أصيلة في المجتمع السوداني، بيد أن أيَّ دور مستقبلي يعتمد في قيمته أو مداه، وقبل ذلك القبول به شعبياً، على القطيعة مع هذه النزعة الانقلابية على قيم الدين قبل أن تكون على الشرعية السياسية فقط من أجل الحصول على السلطة والمحافظة عليها بأي ثمن).
مكافحة الفساد
حملت الورقة الأخيرة في الكتاب مشاركة الباحث في الاقتصاد السياسي وشئون الطاقة عبد الرحمن عبدالله سيد أحمد عنوان: مكافحة الفساد والتصالح مع الشفافية.
ويتكئ عبد الرحمن عبدلله علي أن (الجميع يتحدث عن ضرورة مكافحة الفساد: رئيس الجمهورية، رئيس الوزراء، البرلمان، وزارة المالية، الأحزاب المشاركة في الحكومة، وقطعا أحزاب المعارضة، كلهم يبكي فمن سرق الكتاب؟).
ويصل بعد الإتكاة إلى أن (الفساد هو الخطر الأكبر الذي يهدد الأمن الداخلي للدول، وأصبح الجميع ينادي بضرورة سن قوانين صارمة لمحاربة هذا المارد والتضييق عليه، ليس فقط في السودان، بل في كل دول المنطقة).
ولا ينكر إطلاقا (تفشي الفساد بكافة أنواعه في مجتمعنا، لكنه يدعو إلى تناول القضية ببصيرة وحكمه. ويحمل الحكومة مسؤولية انتشار هذا الفساد، لكنه يحسب أنه ليست هناك نية مبيتة للفساد في ذاته.
وينتهي إلى أن ما (نشهده هو أحد تجليات سوء الإدارة وضعف الرقابة وفقر السياسات، إضافة إلى العوامل الثقافية والمجتمعية، مثل إحسان الظن، والتحيز القبلي والحزبي، والرغبة في التستر على التجاوزات المالية وحلها عن طريق الأجاويد، وغياب ثقافة الاعتذار وانعدام مسؤولية العناية الواجبة. due diligence responsibility).
الأقوال والملاحق
جاء الفصل الأخير من الكتاب من شقين، يحتوي الشق الأول على أربعة أقوال تصب في فكرة الكتاب المعنون تجربة الإسلاميين في حكم السودان. وكان أبرز هذه الأقوال من الراحل الطيب صالح ومقاله الشهير المعنون (هل السماء مازالت صافية في أرض السودان أم محجوبة بالغيوم). وحاز هذا المقال انتشارا واسعا خاصة أنه أول مقال يكتبه الروائي العالمي الطيب صالح في الشأن السياسي مباشرة. لكن رغم هذا الانتشار عاد الطيب صالح عبر لقاء تلفزيوني أعده وقدمه الأستاذ خالد الأعيسر سجل في منزل الطيب صالح في لندن في أواخر العام 2008م، وبثه تلفزيون السودان وقدم إفادة أخرى عن الإنقاذ نورد هنا نصها بلغتها المحكية. يقول الطيب صالح (أنا افتكر الآن رئيسنا عمر البشير يبدو لي من مشاهداتي في التلفزيون وأنا قابلته في السودان مرة واحدة. رجل أوضح ما فيه متواضع ما عندو النفخة بتاعت الحكام والعساكر أبدا. زول طيب زيو زي أهلنا أعمامنا وأخوانا وأولاد عمنا البنعرفهم. وأظنو رئيس كويس جدا للسودان في هذه الفترة. الأمم الحية في تقديري لا تظل تبحث عن مخلص وزعيم مثالي طولا وعرضا وأشياء من هذا النوع. لما ربنا يعطيها زعيم ابن حلال كويس تدعمه وتبنيه وتصنعه الأمم. الأمم هي التي تصنع الزعماء وليس الزعماء هم الذين يصنعون الأمم. فالبشير كويس جدا معانا الآن. وواضح الآن هذا العهد يحاول أن يجمع الناس وياسو الجراحات ويخلي الناس يتناسو عن الماضي ويتجهو جميعا نحو المستقبل. هذا حسن جدا).
وهنا إفادة أخرى يقدمها السفير خالد فتح الرحمن الوزير المفوض في سفارة السودان في لندن أنداك وقد كان مرافقا للطيب صالح في رحلته الشهيرة إلى الخرطوم في العام 2005م.
وفي هذه الزيارة التقى الطيب صالح الرئيس البشير، وصرح مباشرة بعد المقابلة أن (الرئيس البشير تبسط معهم في الحديث وطمأنهم على الحال).
وفي ذات الزيارة 2005 أجرى السفير خالد فتح الرحمن ببطاقته الأولى كصحافي وإعلامي لقاءا تلفازيا بثه تلفزيون السودان مع الطيب صالح بعد زيارة سد مروي، وقال في اللقاء كلاما طيبا عن عموم ما شاهد.
ويختتم السفير خالد فتح الرحمن شهادته بتوضيح (بالجملة خلال السنوات الثلاث اللاتي اعقبن تلك الزيارة، بدأ الطيب متصالحا جدا مع النظام). ويرد السفير خالد ذلك إلى سببين الأول (اكتشاف واقع ضخمت المعارضة المهاجرة لديه مرارته وسوءه). والثاني (وعيه بحجم المؤامرة الخارجية على الوطن مع التفاعلات اليومية لأزمة دار فور).
وجاء المقال الثاني من الدكتور عبد الوهاب الأفندي بعنوان (في الاستبداد الفاشل والفشل الاستبدادي). وسار الأفندي بالمقال في طرق فشل الإنقاذ مقدما نماذج وأمثلة من هذا الفشل. ويقتضي الإنصاف القول أن الأفندي كان أول انتقد تجاوزات الإنقاذ بكتاب كامل ونشره في أيام عنفوان الإنقاذ الأولى.
وقدم المقال الثالث الدكتور محمد مختار الشنقيطي بعنوان (حسن الترابي الموقف العابر والأثر الباقي). والمقال برمته قصيدة حب في آراء وأفكار وممارسات الراحل الدكتور حسن عبد الله الترابي.
أما المقال الأخير فقد كتبه المهندس محمد خالد معروف بعنوان (الكسوب والرسوب)، والذي يجزم فيه على مسؤوليته (إن الإسلاميين في السودان إجماعا وفي تيارهم العريض ليس راضين عن إدارة النظام السابق. وقد لجأت الغالبية منهم إلى فقه المفضول، وهو أسوأ خيار فقهي يؤسس للقبول بأخف الضررين).
وتنتهي صفحات الكتاب بملحق واحد يحتوي على نص مذكرة الألف عضو من القيادات الوسيطة التي تم رفعها لقيادة المؤتمر الوطني، لكنها وقعت في منزلة بين المنزلتين عندما وقعت المفاصلة.
حصاد القول
يحيط بالحديث عن تجربة الإنقاذ من وجهة النظر الشخصية شحنة من الانفعالات المتشابكة والمعقدة. وأهمية هذا الكتاب صدروه في هذه الأوان قد يسهم في تبديد هذه الشحنة برواسبها الداكنة، لكي تشرق على كتابة تاريخنا المعصر شمس جديدة بغير ضباب من رواسب الماضي وبقاياه. وهنا يمكن الإقرار أن كتاب تجربة الإسلاميين في حكم السودان لمحرره الدكتور عادل عبد العزيز حامد كتاب في باب انفتاح الذات على تاريخها، ورافدا من روافد الجدية في اتصالها بالقارئ.
ولعل في الجهد المبذول في تجميع المقالات يعتبر تثمينا لواقع جديد ننتظر أن يعم في السودان لما فيه من خير عميم على البحث والقراءة معا.


